كتاب القضاء - اراکی، محسن - الصفحة ٢١ - أولا مقتضى الأصل الأولي
قلت: وجوب ردع الظالم عن ظلمه ووجوب نصرة المظلوم لا كلام فيه، وهو ما يعبّر عنه في لسان الشرع «الأمر بالمعروف والنهي» عن المنكر، ومورده: المعروف المعلوم كونه معروفاً، والمنكر المعلوم كونه منكراً، فليست مهمّة الناهي أو الآمر إلّا البعث والزجر، بخلاف القضاء؛ فإنّ الردع من لوازمه وليس بذاته عين حقيقة القضاء؛ بل القضاء هو المصدر الذي يحدّد ما هو المعروف والمنكر في مصداقهما الخارجي والموضوع الجزئي، وبه يتمّ الفصل بين المتنازعين اللذين يدّعي كلّ منهما أنّ الحقّ معه، وأنّ المعروف إلى جانبه، وأنّ خصمه هو صاحب المنكر، فالقاضي هو الذي يحدّد الحقّ ويعيّن صاحب الحقّ خارجاً ومصداقاً، وهذا هو الذي يستوجب أن تكون للقاضي سلطة يفقدها كلّ من الطرفين، بخلاف النهي عن المنكر والأمر بالمعروف؛ فإنّ الناهي لا يتميّز بسلطة يفقدها المنهيّ، ولا الآمر يتميّز بسلطة يفقدها المأمور.
ومن هنا، يرد السؤال في باب القضاء عن السبب الذي يجعل القاضي يتميّز بسلطة لا يملكها كلّ من الطرفين، وعن المصدر الذي يخوّل للقاضي هذه السلطة التي لا يملكها الآخرون.
وعلى هذا الأساس، فلابدّ للقاضي من أن يتمتّع بسلطة شرعيّة تخوّله حقّ تحديد حرّيّات الآخرين والتحكّم في شؤون المتنازعين وإراداتهم، فإن فَقَدَ المتصدّي لهذه السلطة ما يبرّرها ويسوّغها له، كان ذلك بنفسه عملًا منكراً، ولا يردع عن المنكر بمنكر مثله.