كتاب القضاء - اراکی، محسن - الصفحة ٥٩ - الدليل الأول
فإذا كان تحقّق العدل مطلوباً للشارع بشكل لا يرضى بفواته على أيّ حال، كان ذلك منافياً عرفاً لجواز قضاء من لم تثبت عدالته؛ لعدم كونه مأموناً على إجراء العدل والحكم به. وبعبارة أُخرى: إنّ الطريق إلى تحقّق الحكم بالعدل منحصر عرفاً في أن يكون القاضي عادلًا بمعنى اتّصافه بملكة العدالة حتّى يؤمن من جوره، فإذا كان لسان أدلّة وجوب الحكم بالعدل دالّاً على كونه مطلوباً للشارع بحيث لا يرضى بفواته، وكان ذلك متوقّفاً عرفاً على أن يكون القاضي عادلًا يؤمن جوره، ثبت وجوب كون القاضي عادلًا بنفس ما دلّ على وجوب الحكم بالعدل بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة.
التقريب الثاني: أنّ أدلّة وجوب الحكم بالعدل تخلق إطاراً ذهنيّاً متشرّعيّاً يمنع من تبادر الإطلاق من دليل النصب للقضاء لغير العادل. وتوضيح ذلك: أنّا لو رفعنا اليد عن دعوى دلالة أدلّة وجوب الحكم بالعدل على اشتراط العدالة في القاضي بالدلالة الالتزاميّة، فلا أقلّ من أنّ أدلّة النصب للقضاء تفقد إطلاقها في عرف المتشرّع العادي لمن يفقد شرط العدالة؛ لأنّ المترقّب عرفاً من المشرّع الذي يحرّم الحكم بالجور ويوجب الحكم بالعدل والقسط، أن يكون حكّامه وقضاته الذين ينصبهم ويأذن لهم بالحكم بين الناس متّصفين بدرجة من العدالة يؤمن معها حكمهم بالجور، وغير العادل لا يؤمن من أن يجور ولا يحكم بالعدل، فإذا استعمل الشارع في نصبه للقضاء عبارة خالية عن التقييد بالعادل، لا يفهم منها الإطلاق لغير العادل مادام قد أوجب في شرعه الحكم بالعدل والحقّ مطلقاً ولم يرضَ بالجور والظلم في الحكم بأيّ حال، مع الالتفات إلى أنّ غير العادل غير مأمون على العدل.