كتاب القضاء - اراکی، محسن - الصفحة ٢٠٣ - البحث الرابع في إيكال أمر القضاء إلى الغير
والحاصل: أنّه لا يتصوّر التوكيل في القضاء إلّا إذا رجع إلى معنى التولية؛ فإنّ القضاء بذاته ولاية الفصل، فلا يقوم بها ولا يصلح أن يقوم بها إلّا من ثبتت له ولاية الفصل والحكم بين المتخاصمين، والوكيل إن رجعت وكالته إلى ثبوت ولاية الفصل والحكم بين المتخاصمين له رجعت الوكالة إلى الولاية، وإن لم ترجع وكالته إلى ذلك بطلت وكالته، ولا أثر لمجرّد جعله وكيلًا في القضاء.
الثالثة: الإذن؛ وذلك بأن يأذن وليّ القضاء لغيره بالقضاء، وقد ذكرنا آنفاً أنّ القضاء متقوّم بالحكم والفصل بين المتخاصمين، وهو في ذاته ولاية، فلا يجوز القيام به إلّا لمن ثبتت له ولاية القضاء، ولا يكفي مجرّد الإذن، بل لا معنى للإذن في القضاء إلّا إذا رجع إلى معنى ثبوت الولاية للمأذون له في الحكم والقضاء، أو إلى ما سنذكره لاحقاّ.
نعم؛ لا بأس أن يأذن وليّ القضاء لغيره بالنظر في القضيّة المترافع فيها إليه، والإدلاء برأيه فيها؛ لا بعنوان الفصل والحكم بين المتخاصمين، بل بعنوان مجرّد النظر والرأي، وحينئذٍ يرى وليّ القضاء رأيه في القضيّة، فإن وجد ما رآه المأذون في القضيّة صالحاً موافقاً لموازين العدل أمضاه، وإلّا ألغاه.
وحينئذٍ، فلا يشترط في المأذون أن يكون فقيهاً جامعاً أو عادلًا، بل قد يكون مقلّداً، عارفاً بقضايا الناس، ذا تجربة في الخصومات والمرافعات، فيجوز لوليّ القضاء حينئذٍ أن يسمح له بالنظر في الخصومات بعضها أو كلّها ثمّ يعرضها عليه، فإن رأى وليّ القضاء رأيه صواباً أمضاه، وإلّا ألغاه. وهذا هو ما كان يصنعه أمير المؤمنين (ع)- كما هو الظاهر- مع شريح القاضي، فقد أذن له