كتاب القضاء - اراکی، محسن - الصفحة ١٠٢ - المقام الثاني
وأمّا الآيات الكريمة التي قد يستدلّ بها لإثبات عدم اشتراط العدالة بترك الصغيرة- نظير قوله سُبحَانَهَ وَتَعَالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً[١]، أو قوله عَزَّ وَجَلَّ: وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى\* الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ[٢]- فلا ظهور فيها في عدم اشتراط العدالة بترك الصغائر؛ فإنّ هذه الآيات بصدد نفي الآثار الأُخرويّة المترتّبة على المعصية الصغيرة، واعتبارها كالعدم بلحاظ آثارها الأُخرويّة، فلا دلالة فيها على إلغاء الصغيرة حكماً أو موضوعاً بلحاظ الآثار الدنيويّة المترتّبة على ارتكاب المعصية الصغيرة ليقال بعدم ترتّب الأثر على ارتكاب الصغيرة شرعاً، فلا ينافي ارتكابها حقيقة العدالة شرعاً.
ثمّ إنّ عدم منافاة ارتكاب الصغيرة للعدالة شرعاً لا يعني أنّ هناك حقيقة شرعيّة لمعنى العدالة مختلفة عن معناها اللغوي، بل إنّ معناها اللغوي هو الاستقامة كما أشرنا سابقاً، ولكنّ الاستقامة في كلّ شيء بحسبه، فإذا دلّ الدليل الشرعي على أنّ الصغيرة لا تضرّ بالعدالة، كان ذلك دليلًا على أنّ الاستقامة في الشرع تدور مدار ترك الكبائر فحسب، وقد دلّت الصحيحة على عدم إضرار الصغيرة بالعدالة، فتكون دالّةً على أنّ الاستقامة شرعاً: هي ملكة اجتناب الكبائر، أو بعبارة أُخرى: هي ملكة الانقياد النفسي بالدرجة التي يترك معها الكبيرة.
[١] سورة النساء: ٣١.
[٢] سورة النجم: ٣٢.