فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٦٢ - الفصل الرابع في حجية الخبر الواحد
فانّه مضافا إلى خروج العمل به عن موضوع الآيات الناهية يلزم الدور المحال، لأنّ الردع عن السيرة بالآيات الناهية يتوقف على أن لا تكون السيرة مخصصة لعمومها، و عدم كونها مخصصة لها يتوقف على أن تكون رادعة عنها.
و إن منعت عن ذلك كلّه، فلا أقل من أن يكون حال السيرة حال سائر الأدلة الدالة على حجية الخبر الواحد: من كونها حاكمة على الآيات الناهية، و المحكوم لا يصلح لأن يكون رادعا عن الحاكم، كما لا يخفى، و سيأتي لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه تعالى.
و أمّا السنّة: فلأنّ الأخبار الدالة على طرح الخبر المخالف أو الّذي لا شاهد عليه من الكتاب و العمل بخبر الموافق و الّذي عليه شاهد من الكتاب و إن كانت متواترة معنى أو إجمالا- للعلم بصدور بعضها عن المعصوم عليه السّلام و هي آبية عن التخصيص- كما لا يخفى على المتأمّل فيها- إلّا أنّه يعلم أيضا بصدور جملة من الأخبار المخالفة للكتاب و لو بالعموم و الخصوص أو الإطلاق و التقييد، و لا يسعنا طرح جميع ما بأيدينا من الأخبار المودعة في الكتب، لأنّه يلزم من الاقتصار على ما يستفاد من ظاهر الكتاب تعطيل كثير من الأحكام، خصوصا في باب العبادات، بل معظم الأحكام إنّما يستفاد من الأخبار، و لو بنينا على الأخذ بظاهر هذه الأخبار الناهية عن العمل بما يخالف الكتاب أو الّذي لا يوجد له شاهد منه و الاقتصار في العمل بما يوافق ظاهر الكتاب يلزم طرح جميع ما بأيدينا من الأخبار المخالفة لظاهر الكتاب بالعموم
______________________________
أمورهم الغير الراجعة إلى شرعيات مذهبنا، فانّ حجيتها مبنية على إمضاء الشارع الملازم مع عدم ردعه.
و لئن شئت قلت: إنّ ما أفيد من الدور في الرادعية إنّما يتمّ في فرض اقتضاء الحجية في نفس السيرة و أنّ الردع مانع عنه، فانّه لا بد و أن يكون المانعية تعليقية، فلا محيص من تأثير المقتضى التنجيزي أثره، فيرفع موضوع المانعية و الرادعية، و أما لو قلنا: بأن قوام حجيتها بإمضاء الشارع بحيث لولاه لا اقتضاء في نفس بنائهم للحجية و أنّ الإمضاء المزبور متمم لاقتضائه، فلا يكون اقتضائها للحجية إلّا تعليقيا، و مع هذا الوصف لا محيص من تشكيل الدور في طرف المخصصية، لا الرادعية، فتدبر في أمثال المقام، كي لا يختلط عليك الأمر.