فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٦١ - الفصل الرابع في حجية الخبر الواحد
دلالتها على المنع عن الظن الحاصل من الخبر الواحد بالعموم، فلا بد من تخصيصه بما سيأتي من الأدلة الدالة على جواز العمل بخبر الواحد، بل نسبة تلك الأدلة إلى الآيات ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة، فانّ تلك الأدلة تقتضي إلقاء احتمال الخلاف و جعل الخبر محرزا للواقع، فيكون حاله حال العلم في عالم التشريع، فلا يمكن أن تعمّه الأدلة الناهية عن العمل بالظن لنحتاج إلى التخصيص، لكي يقال: إنّ مفاد الآيات الناهية آبية عن التخصيص، هذا في غير السيرة العقلائية القائمة على العمل بالخبر الموثوق به.
و أمّا السيرة العقلائية: فيمكن بوجه أن تكون نسبتها إلى الآيات الناهية نسبة الورود بل التخصيص، لأنّ عمل العقلاء، بخبر الثقة ليس من العمل بالظن، لعدم التفاتهم إلى احتمال مخالفة الخبر للواقع، فالعمل بخبر الثقة خارج بالتخصص عن العمل بالظن، فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل به لأن تكون رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على العمل بخبر الثقة [١]
______________________________
[١] أقول: لا يخفى أنّ السيرة العقلائية بالنسبة إلى أمور معادهم الّذي من هذه الجهة يدخل في السيرة المتشرعة، فلا شبهة أنّ أصل استقراره منوط بعدم رادعية الآيات الناهية عنها، فمهما استقرت يستكشف بأنّه لا يكون في البين رادع و لا مانع بأي وجه.
و أمّا سيرتهم في أمور معاشهم فحجيته مبنى على إمضاء الشارع إياهم في الشرعيات أيضا، كما هو الشأن في سيرتهم في أمر معادهم بمذهبهم الخارجة عن مذهبنا، فانّ حجيته أيضا مبنى على إمضاء لهم، ففي هذه الصورة لا تصلح هذه السيرة مخصصة و لا ورودا و لا حكومة على الآيات الناهية، لأنّ هذه الجهات بعد الفراغ عن حجيتها، و هذه الجهة مبنية على عدم رادعية الآيات الناهية، فعدم رادعيتها يقع في الرتبة السابقة عن حجيتها، لأنّه بمنزلة شرطها، ففي الرتبة السابقة المزبورة أصالة العموم في النواهي محكمة، فيخرج مثله عن الحجية، و حينئذ كيف يشكل الدور في الرادعية؟ مع كون عدمها شرطا في حجيتها و حجيتها موجب لورودها، فمرتبة ورودها أو حكومتها على الآيات قهرا متأخرة عن الحجية المتأخرة عن عدم الرادعية، و لازمه تأخّر نقيضه من الرادعية في الرتبة السابقة، و حينئذ يستقر الدور المزبور من طرف التخصيص أو الورود، لا العكس، كما لا يخفى.
و من جهة ذلك نقول- و سيأتي في محله- إنّ ما يصلح للحجية و التشبث به في حجية أمارة إنّما هو السيرة العقلائية المستقرة في أمورهم الشرعية على وفق مذهبنا، إذ هو الّذي لا يكاد ردع الآيات لها، لأنّ نفس وجودها ملازم لعدم مانعية الآيات، بلا احتياج حجيتها على عدم رادعية الآيات، بخلاف السيرة العقلائية الجارية في