قراءة في السيرة الفاطمية - الحداد، كفاح - الصفحة ٣٦٧ - ٩- الآخرة الهدف المنشود لكليهما
عميقا لا كما يفهمه بقية الناس فهي عرفت مشاعره وأهدافه ووسائله للوصول الى المحبوب الازلي ففي الرواية: (كنا جلوسا في مجلسٍ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتذاكرنا أعمال أهل بدر، وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم!.. ألا أخبركم بأقلّ القوم مالاً وأكثرهم ورعاً، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟.. قالوا: مَن؟.. قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام).. فو الله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرضٌ عنه بوجهه، ثم انتُدب له رجلٌ من الأنصار فقال له: يا عويمر!.. لقد تكلّمت بكلمةٍ ما وافقك عليها أحدٌ منذ أتيت بها، فقال أبو الدرداء: يا قوم!.. إني قائلٌ ما رأيت، وليقل كلّ قومٍ منكم ما رأوا.. شهدتُ علي بن أبي طالب بشويحطات النجار، وقد اعتزل من مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبَعُد عليّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوتٍ حزينٍ ونغمة شجيّ، وهو يقول: "إلهي!.. كم من موبقةٍ حملتَ عني مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرةٍ تكرّمتَ عن كشفها بكرمك.. إلهي!.. إن طال في عصيانك عمري، وعَظُم في الصّحف ذنبي، فما أنا أؤمّل غير غفرانك، ولا أنا براجٍ غير رضوانك".. فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعينه، فاستترتُ له وأخملتُ الحركة، فركع ركعاتٍ في جوف الليل الغابر، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما به الله ناجى أن قال: "إلهي!.. أفكّر في عفوك، فتهون عليّ خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك، فتعظُم عليّ بليتي"، ثم قال: