لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٤٣٨ - تحقيق المقام
مصلحتها، تعلّق بها تكليف أو لا، و إذا تعلّق التكليف بها يصير منسوباً إلى المولى لأجله، فيصير ارتكاب شرب الخمر- مضافاً إلى إيصال المكلَّف إلى المفسدة الذاتيّة- موجباً لمخالفة المولى و خروجِ العبد عن رسم العبوديّة و طريق الطاعة، و المتجرّي القاطع بأنّ المائع الكذائيّ خمرٌ يكون شريكاً للعاصي في الجهة الثانية للعصيان، لا الاولى.
فالفعل المتجرّى به يصير قبيحاً لا بعنوانه الذاتيّ، بل بعنوانٍ عرضيّ ثابت له بواسطة قطع العبد بكونه متعلّقاً للتكليف. و لا فرق في نظر العقل من هذه الجهة بين تصادف القطع للواقع و عدمه، فكما أنّ ارتكاب شرب الخمر المقطوع به مذمومٌ عند العقلاء، و يكون خروجاً عن رسم العبوديّة، و قبيحاً بالعنوان المنطبق عليه- و هو عنوان مخالفة المولى و الجرأة عليه- كذلك الفعل المتجرّى به من هذه الحيثيّة، طابق النعل بالنعل.
نعم، الخمر في ذاتها مع قطع النظر عن تعلّق النهي بها ذات مفسدةٍ، و الماء المقطوع بكونه خمراً ليس كذلك.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الفعل المتجرّى به كالعصيان من جهةٍ، و يفترق عنه من جهةٍ اخرى (١٣٨) [١].
[١]. ١٣٨- الظاهر أنّ الفعل المتجرّى به لا يخرج عمّا هو عليه، و لا يصير فعلًا قبيحاً و لو قلنا بقبح التجرّي؛ فإنّ توهّم قبحه لو كان بحسب عنوانه الواقعي فواضح الفساد؛ فإنّ الفعل الخارجي أعني شرب الماء ليس بقبيح، و إن كان لأجل انطباق عنوان قبيح عليه، فليس هنا عنوان ينطبق عليه حتّى يصير لأجل ذلك الانطباق متّصفاً بالقبح؛ فإنّ ما يتصوّر هنا من العناوين فإنّما هي التجري و الطغيان و العزم و أمثالها، و لكنّ التجرّي و أخويه من العناوين القائمة بالفاعل، و المتّصف بالجرأة إنّما هو النفس، و العمل يكشف عن كون الفاعل جريئاً، و ليس ارتكاب مقطوع الخمرية نفس الجرأة على المولى، بل هو كاشف عن وجود المبدأ في النفس، و قس عليه الطغيان و العزم، فإنّهما من صفات الفاعل، لا الفعل الخارجي.
و أمّا الهتك و الظلم، فهما و إن كانا ينطبقان على الخارج، إلّا أنّك قد عرفت عدم الملازمة بينهما و بين التجرّي. فتحصل: أنّ الفعل المتجرّى به باقٍ على عنوانه الواقعي، و لا يعرض له عنوان قبيح.
نعم، لو قلنا: بسراية القبح إلى العمل الخارجي الكاشف عن وجود هذه المبادئ في النفس، فلا بأس بالقول باجتماع الحكمين لأجل اختلاف العناوين، و لا يصير المقام من باب اجتماع الضدّين؛ فإنّ امتناع اجتماع الضدّين يرتفع باختلاف المورد.
و قد وافاك بما لا مزيد عليه: أنّ مصبّ الأحكام و موضوعاتها إنّما هي العناوين و الحيثيات فلا إشكال لو قلنا: بإباحة هذا الفعل أعني شرب الماء بما أنّه شرب، و حرمته من أجل الهتك و التجرّي و الطغيان، فالعنوانان منطبقان على مصداق خارجي، و الخارجي مصداق لكلا العنوانين، و هما مصبّان للأحكام على ما أوضحناه في مبحث الاجتماع. (تهذيب الاصول ٢: ٩١- ٩٢).