لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ١٨٠ - تحقيق في مسألة الترتّب
استحقاق العقوبة، و في أيّ مورد لا توجب لمعذوريّة العبد، و ليس للعقل إلّا الحكم بأنّ الجاهل و العاجز و نظيرهما معذورون في ترك الواجب أو إتيان الحرام، من غير تصرّف في الدليل.
المقدّمة السابعة: أنّ الأمر بكلّ من الضدّين أمر بالمقدور الممكن، و الذي يكون غير مقدور هو جمع المكلّف بين الإتيان بمتعلّقهما، و هو غير متعلّق للتكليف، فإذا أمر المولى بإزالة النجاسة عن المسجد و أمر بالصلاة لا يكون له إلّا أمر بهذه و أمر بتلك، و مجموع الأمرين ليس موجوداً على حدة، و الأمر بالجمع أو المجموع غير صادر من المولى، و قد تقدّم أنّ الأمر لا يتعلّق إلّا بنفس الطبائع، من غير نظر إلى الخصوصيات و الحالات الطارئة و جهات التزاحم و علاجه.
إذا عرفت ما ذكر فاعلم: أنّ متعلّقي التكليفين قد يكونان متساويين في الجهة و المصلحة، و قد يكون أحدهما أهمّ.
فعلى الأوّل لا إشكال في حكم العقل بالتخيير؛ بمعنى أنّ العقل يرى أنّ المكلّف مخيّر في إتيان أيّهما شاء، فإذا اشتغل بأحدهما، يكون في مخالفة الأمر الآخر معذوراً عقلًا، من غير أن يكون تقييد و اشتراط في التكليف و المكلّف به، و مع عدم اشتغاله بذلك لا يكون معذوراً في ترك واحد منهما؛ فإنّه قادر على إتيان كلّ واحد منهما، فتركه يكون بلا عذر؛ فإنّ العذر عدم القدرة، و الفرض أنّه قادر على كلٍّ منهما، و إنّما يصير عاجزاً عن عذر إذا اشتغل بإتيان أحدهما، و معه معذور في ترك الآخر، و أمّا مع عدم اشتغاله به، فلا يكون معذوراً في ترك شيء منهما، و الجمع لا يكون مكلّفاً به حتّى يقال: إنّه غير قادر عليه، و هذا واضح بعد التأمّل.
و أمّا إذا كان أحدهما أهمّ: فإن اشتغل بإتيان الأهمّ، فهو معذور في ترك المهمّ؛ لعدم القدرة عليه مع اشتغاله بضدّه بحكم العقل، و إن اشتغل بالمهمّ، فقد أتى بالمأمور به الفعلي، لكن لا يكون معذوراً في ترك الأهمّ، فيثاب بإتيان المهمّ و يعاقب بترك الأهمّ.
فقد اتّضح ممّا ذكرنا أمران:
أحدهما: أنّ الأهمّ و المهمّ كالمتساويين في الأهمّية؛ كلٌّ منهما مأمور به في عرض الآخر، و الأمران العرضيان فعليان متعلّقان بعنوانين كلّيين، من غير تعرّض لهما لحال التزاحم و عجز المكلّف، و المطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لا توجب تقييد الأمرين أو أحدهما أو اشتراطهما أو اشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر، لا شرعاً و لا عقلًا، بل تلك المطاردة لا توجب عقلًا إلّا المعذورية العقلية عن ترك أحد التكليفين حال الاشتغال بالآخر، و عن ترك المهمّ حال اشتغاله بالأهمّ.
فظهر: أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي عدم الأمر بضدّه في التكاليف الكلّية القانونية، كما فيما نحن فيه. فما ادّعى شيخنا البهائي ليس على ما ينبغي، كما أنّ ما أجابوا عنه بنحو الترتّب و تصوير الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان الأهمّ ممّا لا أساس له، كما سيتّضح لك.
و ثانيهما: أنّ المكلّف مع ترك الأهمّ و المهمّ يستحقّ عقابين؛ لما تقدّم تفصيله.
و لو تأمّلت فيما تقدّم تأمّلًا صادقاً، و تدبّرت فيه تدبّراً أكيداً، يسهل لك التصديق بما ذكرنا، و اللَّه وليّ الأمر. (مناهج الوصول ٢: ٢٣- ٣٠).