لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٣٩ - الجبر و التفويض
العلوم الانفعالية، لا الفعليّة، و هو تعالى علمه فعليّ، فالمعلوم تابع للعلم [١].
و هذا الإشكال واضح الورود على ظاهر كلامه، و لكن يمكن توجيهه بما لا يرد عليه.
توضيحه: أنّ علّية كلّ مرتبة من مراتب نظام الكلّ لمرتبة تالية منه، إنّما تكون لخصوصيّة ذاتيّة فيها، و هي غير مجعولة، بل الجاعل أوجدها، و الخصوصيّة ذاتيّة ثابتة لها بلا جعلٍ، فما كان العلم بالنسبة إليه فعليّاً هو وجود النظام، و أمّا كون المراتب ذات خصوصيّةٍ ذاتيّة- أي خصوصيّة العلّية و المعلوليّة- فليس العلم بالنسبة إليها فعليّاً، بل هو شبيهٌ بالانفعاليّ، و تابعٌ للمعلوم (٨) [٢].
[١] الحكمة المتعالية ٦: ٣٨٤- ٣٨٥.
[٢]. ٨- إنّه بعد ما علم: أنّ التفويض- و هو استقلال الممكن في الإيجاد و الفاعلية- و الجبر- و هو سلب التأثير عن الموجود، و مزاولته تعالى للأفعال و الآثار مباشرة و بلا وسط- مستحيلان، اتّضح سبيل الأمر بين الأمرين، و هو كون الموجودات الإمكانية مؤثّرات، لكن لا بالاستقلال، و فيها الفاعلية و العلّية و التأثير، لكن من غير استقلال و استبداد، و ليس في دار التحقّق فاعل مستقلّ سوى اللَّه تعالى. و سائر الموجودات كما أنّها موجودات لا بالاستقلال، بل روابط محضة، و وجودها عين الفقر و التعلّق، و محض الربط و الفاقة، تكون في الصفات و الآثار و الأفعال كذلك، فمع أنّها ذات صفات و آثار و أفعال، لم تكن مستقلّات في شيء منها، كما تقدّم برهانه.
فمن عرف حقيقة كون الممكن ربطاً محضاً، عرف أنّ فعله مع كونه فعله، فعل اللَّه سبحانه، فالعالم بما أنّه ربط صرف و تعلّق محض، ظهور قدرة اللَّه و إرادته و علمه و فعله، و هذا عين المنزلة بين المنزلتين و الأمر بين الأمرين.
و لعلّه إليه أشار في قوله- و هو الحقّ-: «وَ ما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمَى»؛ حيث أثبت الرمي من حيث نفاه فقال: «رميت و ما رميت»؛ فإنّ الرمي كونه منه لم يكن بقوّته