لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٤٠ - الجبر و التفويض
و استقلاله، بل بقوّة اللَّه و حوله. و قوله: «وَ مَا تَشَاءونَ إِلّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» فأثبت المشيّة للَّه من حيث كونها لهم، لا بأن يكون المؤثّر شيئين أو فعلين بالاشتراك، بل بما أنّ مشيّة الممكن ظهور مشيّته تعالى و عين الربط و التعلّق بها. (الطلب و الإرادة: ٣٦- ٣٧).
ثمّ إنّ علمه و إرادته تعلّقا بالنظام الكوني على الترتيب العلّي و المعلولي، و لم يتعلّقا بالعلّة في عرض معلوله، و بالمعلول بلا وسط؛ حتّى يقال: إنّ الفاعل مضطرّ في فعله، فأوّل ما خلق اللَّه تعالى هو حقيقة بسيطة روحانية، بوحدتها كلّ كمالٍ و جمالٍ، و جفّ القلم بما هو كائن، و تمّ القضاء الإلهي بوجوده، و مع ذلك، لمّا كان نظام الوجود فانياً في ذاته ذاتاً و صفة و فعلًا، يكون كلّ يوم هو في شأن.
فمن عرف كيفية ربط الموجودات على ترتيب سببي و مسبّبي إليه تعالى يعرف أنّها- مع كونه ظهوره تعالى- تكون ذات آثار خاصّة، فيكون الإنسان مع كونه فاعلًا مختاراً ظلَّ الفاعل المختار و فاعليته تعالى «وَ ما تَشاءونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّه».
فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ تعلّق إرادته تعالى بالنظام الأتمّ، لا ينافي كون الإنسان فاعلًا مختاراً، كما أنّ كون علمه العنائي منشأ للنظام الكياني لا ينافيه، بل يؤكّده، هذا. (الطلب و الإرادة: ٦٥).
إرشاد: مع أنّ أثر كلّ ذي أثر و فعل كلّ فاعل، منسوب إلى اللَّه تعالى و إليها- كما عرفت- لكن خيراتها و حسناتها و كمالاتها و سعاداتها كلّها من اللَّه، و هو تعالى أولى بها منها، و شرورها و سيّئاتها و نقائصها و شقاواتها ترجع إلى نفسها، و هي أولى بها منه تعالى؛ فإنّه تعالى لمّا كان صرف الوجود، فهو صرف كلّ كمال و جمال، و إلّا يلزم عدم كونه صرفاً، و هو يرجع إلى التركيب و الإمكان، فالخيرات كلّها مجعولات، و مبدأ الجعل فيها هو الحقّ تعالى.
و الشرور التي في دار الطبيعة المظلمة، من تصادمات الماديّات و ضيق عالم الطبيعة، و كلّها ترجع إلى عدم وجود أو عدم كما له، و الأعدام مطلقاً غير متعلَّقة للجعل، بل المضافة منها من لوازم المجعول و تضايق دار البوار و تصادم المسجونين في سجن الطبيعة و سلاسل الزمان، فكلّها ترجع إلى الممكن.
فما أصابك من حسنة و خير و سعادة و كمال فمن اللَّه، و ما أصابك من سيّئة و شرّ و نقص و شقاء فمن نفسك، لكن لمّا كانت النقائص و الشرور اللازمة للوجودات الإمكانية من قبيل الأعدام المضافة و الحدود و الماهيات، كان لها وجود بالعرض، و ما كان كذلك فمن عند اللَّه، لكن بالعرض، فالخيرات من اللَّه بالذات، و منسوب إلى الممكنات بالعرض، و الشرور من الممكنات بالذات، و منسوب إليه تعالى بالعرض.
فحينئذٍ يصحّ أن يقال: كلٌّ من عند اللَّه؛ فإنّه لو لا الإيجاد و الإفاضة و بسط الخيرات، لم يكن وجود و لا حدّه و لا طبيعة و لا ضيقها، و لعلّ تغيير الاسلوب و تخلّل لفظة «عند» في قوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ» للإشارة إلى المجعولية بالعرض. (الطلب و الإرادة: ٣٨- ٤٠).