لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٢٧٢ - مقدّمة في كيفيّة الدلالة على المفهوم
«رجل شكّ في صلاته بين الاثنين و الثلاث» [١]، فإنّ الموضوع في نظر العرف هو المصلّي الشاكّ من غير دخالةٍ للرجوليّة فيه، فالقيود إذا كانت بنظر العرف مُلغاة غير دخيلةٍ في الحكم، و كان الحكم بنظرهم ثابتاً لغير مورد القيد، كان ذلك من مفهوم الموافقة؛ سواء كانت نسبة المنطوق إلى المفهوم هي الأولويّة، كقوله تعالى: «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» [٢]، أو لا كالمثال المتقدّم، و القدماء جعلوا القول بالمفهوم- فيما إذا كانت النسبة هي الأولويّة- قولًا بالتفصيل في المسألة [٣]، لا أنّ البحث في المفهوم مختصّ بها.
و بالجملة: إنّ موضوع البحث في المفاهيم أعمّ من المفهوم الموافق و المخالف، و في الأوّل أعمّ ممّا يكون بالأولويّة أو لا، و الجامع بين المفهومين في البحث هو القيد الزائد، و إن كان القيد في مفهوم المخالفة على طبق القاعدة- أي كونه للاحتراز و القيديّة- و في الموافقة على غير القاعدة- أي الإتيان به- إنّما هو من جهة كونه أحد الأفراد، و يكون القيد ملغىً بنظر العرف.
و مفهوم الموافقة عند القدماء هو الذي يعبِّر عنه المتأخّرون ب «إلغاء الخصوصيّة» [٤]، و هو غير تنقيح المناط؛ فإنّ الثاني أمرٌ عقلي، و الأوّل من المداليل العرفيّة (٨٣) [٥].
[١] انظر وسائل الشيعة ٥: ٣١٩، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب ٩، الحديث ١- ٣.
[٢] الإسراء (١٧): ٢٣.
[٣] انظر الذريعة إلى اصول الشريعة ١: ٣٩٢- ٣٩٣، ٣٩٩- ٤٠٠، و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: ٣٠٨.
[٤] فوائد السيّد بحر العلوم: ١٢٤/ السطر ١٣- الفائدة ٣٧.
[٥]. ٨٣- و اختلفت التعبيرات في تفسيره، و نحن نذكر الاحتمالات، و نتكلّم فيها.
فنقول: فيه احتمالات:
الاحتمال الأوّل: ما يعبّر عنه المتأخّرون بإلغاء الخصوصية، مثل قوله: «رجل شكّ بين الثلاث و الأربع ...» و لا شبهة في أنّ العرف يرى أنّ الحكم إنّما هو للشكّ بينهما من غير دخالة للرجولية فيه.
الاحتمال الثاني: المعنى الكنائي الذي سيق الكلام لأجله، مع عدم ثبوت الحكم للمنطوق، كقوله: «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا افٍّ» إذا فرض كونه كناية عن حرمة إيذائهما، و لم يكن الافّ محكوماً بحكم.
الاحتمال الثالث: ما إذا سيق الكلام لأجل إفادة حكم، فاتي بأخفّ المصاديق- مثلًا- للانتقال إلى سائرها، مثل الآية المتقدّمة إذا كان الافّ محكوماً بالحرمة أيضاً.
الاحتمال الرابع: الحكم الغير المذكور الذي يقطع العقل به بالمناط القطعي من الحكم المذكور، كقوله: «أكرم خدّام العلماء» حيث يعلم بالمناط القطعي وجوب إكرام العلماء.
الاحتمال الخامس: الحكم المستفاد من القضيّة التعليلية، كقوله: «الخمر حرام لأنّه مسكر».
فيمكن أن يكون المراد من الموافق بعض هذه الاحتمالات، أو جميعها، و الجامع بينها هو الحكم في غير محلّ النطق، الموافق للحكم في محلّه- على فرضه- في الإيجاب و السلب. (مناهج الوصول ٢: ٢٩٧- ٢٩٩).