لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٣٤٣ - فصل هل يجوز العمل بالعامّ قبل الفحص عن مخصِّصه؟
قانونٍ و تشريعٍ الذي من شأنه أن تذكر فيه المخصِّصات و المقيِّدات و سائر القيود و الحدود. و هذا المقنّن قد لا يبالي بمخالفة أحكامه عند الجهل بها، و قد لا يكون كذلك، بل يكون معتنياً بها، ففي هذه الصورة لا يكون للعبد عذرٌ في ترك الفحص عن أحكامه الواقعيّة.
و الأمر في الأحكام الشرعيّة كذلك؛ فإنّ أحكامه تعالى قوانين مدوّنة في الكتاب و السُّنّة النبويّة و أخبار أهل العصمة- عليهم صلوات اللَّه- و يكون من شأنها ورود المخصِّصات و المقيِّدات عليها، و قد أمر اللَّه تعالى عباده بتعلّم أحكامه، فقال: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ...» [١] إلى آخره، و ورد: أنّ
«طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ» [٢]
و
«هلّا تعلَّمت» [٣]
و أمثالها [٤].
و الذي يظهر بالتأمّل في الآيات و الأخبار أنّ المراد بالعلم ليس هو العلم الوجداني، بل هو بمعنى العلم بالأحكام من طريق الأدلّة- أي الخطابات الواردة في لسان الكتاب و السنّة- كما هو الظاهر من قوله تعالى: «أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ» [٥]؛ أي العلم المأثور، و معلومٌ أنّ وجوب التعلّم ليس نفسيّاً يعاقب المكلَّف على تركه، بل يكون العقاب على ترك الأحكام الواقعيّة.
و بالجملة: قد قطع اللَّه تعالى العذر عن عباده في ترك الفحص و ترك التعلّم لأحكامه الواقعيّة، فللّه على الناس حجّة بالغة [٦]، و ليس لهم عليه تعالى
[١] التوبة (٩): ١٢٢.
[٢] الكافي ١: ٢٣/ ١.
[٣] أمالي الطوسي: ٩- ١٠.
[٤] الكافي ٣: ٦٨/ ٤- ٥.
[٥] الأحقاف (٤٦): ٤.
[٦] إشارة إلى الآية ١٤٩ من سورة الأنعام.