لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ١٣٧ - و منها تقسيمه إلى المعلّق و المنجّز
ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا على الواجب المعلّق [١]: و هو أنّ وزان الإرادة التشريعيّة كوزان الإرادة التكوينيّة، طابق النعل بالنعل، و حذو القذّة بالقذّة، و هي في الإمكان و الامتناع تابعة للتكوينيّة، فكما أنّ الإرادة التكوينيّة ممتنعة التعلّق بأمر يكون متقيّداً بشيء غير مقدور كالزمان المتأخّر، أو أمر آخر لا يكون تحت قدرة العبد، فكذلك الإرادة التشريعيّة التي هي بإزاء التكوينيّة.
و الحاصل: أنّه فرقٌ بين الفعل المقيّد بأمرٍ غير مقدورٍ- كالحجّ في ذي الحجّة قبل حضور الموسم- و بين الفعل الذي يكون مقدوراً، لكن يتوقّف على مقدّمات مقدورة تدريجيّة الحصول، ربّما يطول إتيانها عدّة ساعات أو أيّام، ففي الأوّل يمتنع تعلُّق الإرادة التكوينيّة الفعليّة على إيجاد الفعل، و إنّما تكون الإرادة تعليقيّة مشروطة؛ بأنّه «لو أدركتُ ذا الحجّة مثلًا قادراً على الحجّ لحججتُ» بخلاف الثاني، فإنّ الإرادة الفعليّة لا مانع من تعلّقها به؛ فإنّ المقدور بالواسطة مقدور، فقبل الزوال لا يمكن تعلّق الإرادة الفعليّة بإتيان الصلاة، خصوصاً إذا لم يكن لها مقدّمات، أو كانت حاصلة، و يكون المكلّف منتظراً لدخول الوقت، فلا يمكن فعليّة الإرادة ضرورة، و أمّا بعد تحقّق الزوال فتتعلّق الإرادة بها [و إن] توقّف وجودها على عدّة مقدّمات غير حاصلة تكون تحت قدرة العبد، كتحصيل الساتر و الماء و غيرهما من المقدّمات؛ فإنّ الصلاة مقدورة مع القدرة على مقدّماتها، فتتعلّق الإرادة بها.
هذا حال الإرادة التكوينيّة، و الإرادة التشريعيّة مثلها طابق النعل بالنعل،
[١] ذكره باختصار في الفصول الغروية: ٧٩/ السطر ما قبل الأخير، ثمّ أجاب عنه، و كذا في كفاية الاصول: ١٣٠.بروجردى، حسين، لمحات الأصول، ١جلد، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خمينى (س) - ايران - قم، چاپ: ١، ١٤٢١ ه.ق.
كن تعلّقها بأمرٍ متأخّر يتوقّف حصوله على أمرٍ غير مقدور- كالزمان و شبهه- إلّا على سبيل الاشتراط، و يمكن تعلّقها بأمرٍ متوقّف على مقدّمات مقدورة.
فإذاً فرقٌ بين تأخّر الفعل لأجل عدم حضور وقته، و تأخّره لأجل التوقّف على مقدّمات تدريجيّة مقدورة، تأمّل (٣٥) [١].
______________________________
[١]. ٣٥- و الجواب: أمّا عن الإرادة التكوينية، فغاية ما يمكن أن يقال في بيان كونها علّة تامّة لحركة العضلات: إنّ القوى العاملة للنفس و آلاتها المنبثّة هي فيها لمّا كانت تحت سلطان النفس و قدرتها، بل هي من مراتبها النازلة و شؤونها، فلا يمكن لها التعصّي على إرادتها، فإذا أرادت قبضها، تنقبض، أو بسطها تنبسط، من غير تعصّ و تأخّر مع عدم آفة للآلات، هذا أمر برهاني و وجداني، لكن كون القوى تحت إرادة النفس و إطاعتها أنّها إذا أرادت تحريكها في الحال تحرّكت، لا عدم إمكان تعلّق الإرادة بأمر استقبالي.
فما اشتهر بينهم- من أنّ الإرادة علّة تامّة للتحريك، و لا يمكن تخلّفها عن المراد، حتّى أخذوه كالاصول الموضوعة، و نسجوا على منواله ما نسجوا- ممّا لم يقم عليه برهان إلّا ما ذكرنا، و لازم ذلك هو ما عرفت: من أنّ الإرادة إذا تعلّقت بتحريك عضلة في الحال و لم يكن مانع في البين، تتحرّك إطاعة للنفس.
و أمّا عدم إمكان التعلّق بأمر استقبالي، فيحتاج إلى برهان مستأنف، و لم يقم عليه، لو لم نقل بقيامه على إمكانه، و قضاء الوجدان بوقوعه، كيف و إرادة اللَّه- تعالى- قد تعلّقت أزلًا بإيجاد ما لم يكن موجوداً على الترتيب السببي و المسبّبي، من غير إمكان التغيّر و الحدوث في ذاته و إرادته، كما برهن عليه في محلّه؟! (مناهج الوصول ١: ٣٦٠).
هذا كلّه في الإرادة التكوينية.
و أمّا التشريعية: فإمكان تعلّقها بأمر استقبالي أوضح من أن يخفى و لو سلّمنا امتناعه في التكوينية؛ فإنّها و إن تتعلّق بالأمر لغرض البعث، و معه لا بدّ و أن يكون الانبعاث ممكناً، لكن يكفي إمكانه على طبق البعث في إمكانه و صحّته، و البعث إلى أمر استقبالي يقتضي إمكان الانبعاث إليه لا إلى غيره، و الأغراض المتعلّقة للبعث في الحال كثيرة، بل قد عرفت أنّ البعث القانوني لا يمكن إلّا بهذا النحو، فلا ينبغي الإشكال فيه. (مناهج الوصول ١: ٣٦٣).