لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٢٦٨ - مقدّمة في كيفيّة الدلالة على المفهوم
من اللفظ، لكن لا يمكن الاحتجاج على المتكلّم بأنّه نطق بها، فإذا قال المتكلّم:
«إن جاءك زيدٌ فأكرمه» يفهم منه أنّه إذا لم يتحقّق المجيء لا يجب الإكرام، لكن لا يجوز أن يحتجّ على المتكلّم بأنّك قلت: إذا لم يتحقّق المجيء لا يجب الإكرام، و إذا قيل له: لِمَ قيّدتَ كلامك بالمجيء؟ له أن يعتذر بأعذارٍ.
و بالجملة: إنّ دلالة المفهوم خارجة عن الدلالات الثلاث، التي هي في محلّ النطق (٨٠) [١].
لكنّ المتأخّرين لمّا لم يتأمّلوا في كلام القدماء حقّ التأمّل، و ظنّوا أنّ دلالة المفهوم من قبيل دلالة الالتزام- أي ما يكون لازم المعنى خارجاً [٢]- وقعوا في «حيصَ بيصَ» في توجيه المفاهيم، فقالوا: إنّ أداة الشرط تدلّ على العلّيّة المنحصرة [٣]، و الوصف المعتمد يُشعر بالعلّيّة [٤]، و تجاوزوا عن الإشعار إلى الدلالة، و عنها إلى الدلالة المنحصرة [٥] (٨١) [٦].
[١]. ٨٠- المراد: أنّ المفهوم مستفاد من وجود القيد، و أنّ الظاهر من إتيان القيد- بما أنّه فعل اختياري للمتكلّم- دخالته في الموضوع، و أنّه مع انتفائه ينتفي الحكم، فتكون دلالته عليه بغير الدلالات اللفظية الالتزامية، كما هو كذلك عند المتأخّرين بناء على استفادة الحصر من الإطلاق، و سيتّضح الفرق بينهما. (مناهج الوصول ٢: ١٧٦).
[٢] مفاتيح الاصول: ٢٢١/ السطر ٢١، ضوابط الاصول: ١٠٥/ السطر ٢٩.
[٣] انظر الفصول الغروية: ١٤٨/ السطر ١.
[٤] قوانين الاصول ١: ١٨١/ السطر ٦، الفصول الغرويّة: ١٥٢/ السطر ٣١، مطارح الأنظار: ١٨٣/ السطر ٣٠.
[٥] شرح المولى صالح المازندراني على المعالم: ١٠٧/ السطر ١٣، و انظر مفاتيح الاصول: ٢١٨/ السطر ٢٠، و ذكرى الشيعة ١: ٥٣.
[٦]. ٨١- يمكن انطباق تعريف الحاجبي على كلٍّ من المسلكين؛ فإنّه عرّف المنطوق بما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق، و المفهوم بما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق.
فيمكن أن يقال: أراد من دلالته في محلّ النطق دلالة المطابقة، أو هي مع التضمّن، و من دلالته لا في محلّه دلالة الالتزام؛ حيث إنّ اللفظ دالّ على اللازم بواسطة دلالته على المعنى المطابقي، مع عدم كون الدلالة عليه في محلّ النطق، فإذا أخبر المتكلّم: بأنّ الشمس طالعة، دلّ لفظه على طلوع الشمس في محلّ النطق؛ أي كان لفظه قالباً للمعنى المطابقي، و دلّ على وجود النهار مع عدم النطق به.
أو يقال: أراد من محلّ النطق الدلالات اللفظيّة مطلقاً، و من غيره دلالة اللفظ- بما أنّه فعل اختياري للمتكلّم- على دخالته في موضوع الحكم، فدلّ على الانتفاء عند الانتفاء.
و أنت خبير: بأنّ ظاهر الحاجبي هو الأوّل، و لهذا يمكن أن يكون مراد القدماء- أيضاً- موافقاً للمتأخّرين، مضافاً إلى بعد دعواهم استفادة المفهوم من صرف وجود القيد، مع كونه ظاهر الفساد.
و بالجملة: في صحّة النسبة المتقدّمة إلى القدماء تردّد.
و كيف كان، فالمفهوم هو قضيّة غير مذكورة مستفادة من المذكورة، و هذا ينطبق على المسلكين؛ فإنّ طريق الاستفادة قد يكون بدلالة اللفظ، و قد يكون بأصل عقلائي. (مناهج الوصول ٢: ١٧٦- ١٧٨).