لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ١٧١ - تحقيق في مسألة الترتّب
من الجمع بين الضدّين، فالمولى إذا توجّه إلى ذلك لا يمكن أن يأمره بأحد الضدّين في رتبة الأمر بالضدّ الآخر؛ فإنّ البعث إلى أحدهما- في رتبة البعث إلى الآخر- شريك الأمر بالجمع بين الضدّين في الملاك، لا هو نفس الأمر بالضدّين، فإذا أمر بالصلاة في أوّل الزوال، لا يمكن أن يأمر بإزالة النجاسة من المسجد في رتبة هذا الأمر، لا للأمر بالجمع بين الضدّين، بل لوجدان ملاكه.
الثانية: أنّ رتبة عصيان كلّ أمر متأخّرة عن نفس الأمر، كما أنّ رتبة اطاعته كذلك، فما لم يكن هنا أمر، لم يكن و لم يمكن عصيان و لا إطاعة، فهما متأخّران عن الأمر و النهي المتعلّقين بالموضوع، و هذه واضحة (٥٣) [١].
[١]. ٥٣- إنّ العصيان لا يكون متأخّراً رتبة عن الأمر؛ لعدم ملاك التأخّر الرّتبي فيه؛ فإنّه إمّا من ناحية العلّية و المعلولية، أو كون شيء جزء للعلّة أو جزء للماهية أو شرطاً للتأثير أو التأثّر، و كلّها مفقود بالنسبة إلى العصيان.
لا يقال: إنّ إطاعة كلّ أمر متأخّرة عن الأمر رتبة؛ لأنّها عبارة عن الانبعاث عن البعث، و لا إشكال في تأخّر الانبعاث عن البعث رتبة تأخّر المعلول عن علّته أو عن جزئها، و العصيان عبارة عن ترك الامتثال بلا عذر، و هو مصداق نقيض الإطاعة، و الماهية و مصداقها ليسا في رتبتين؛ لمكان اتّحادهما الذاتي، فالعصيان في رتبة نقيض الإطاعة، و نقيض الإطاعة في رتبتها؛ لأنّ النقيضين في رتبة واحدة، و ما مع المتأخّر رتبة متأخّر كذلك، فينتج أنّ العصيان متأخّر عن الأمر. (مناهج الوصول ٢: ٤٦- ٤٧).
فإنّه يقال: منع كون النقيضين في رتبة واحدة؛ لأنّ نقيض كلّ شيء رفعه، فنقيض البياض في المرتبة رفعه على أن يكون القيد للمسلوب لا للسلب، فإذا لم يصدق كون المعلول في رتبة علّته، صدق عدم كونه في رتبتها بنحو السلب التحصيلي مفاد الهلية المركّبة، أو بنحو السلب المحمولي للمقيّد على أن يكون القيد للمسلوب، و إن كذب كون عدمه في رتبتها، فنقيض كون المعلول في رتبة العلّة عدم كونه في رتبتها، لا كون العدم في رتبتها. (مناهج الوصول ٢: ١٢- ١٣).
نعم، العصيان يتأخّر عن الأمر زماناً لو اغمض عن الإشكال الآتي، و هو غير التأخّر الرّتبي.
هذا، مضافاً إلى أنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به بلا عذر، و هو معنى عدمي لا يمكن أن يتّصف بحيثية وجودية مطلقاً. و قد تكرّر منّا: أنّ القضايا الصادقة التي موضوعاتها امور عدمية لا بدّ و أن تكون من السالبة المحصّلة أو ترجع إليها، و الموجبات مطلقاً لا تصدق في الأعدام إلّا بتأوّل، و في بعض القضايا الغير المعتبرة، كقوله: «العدم عدم»، فالعصيان بما أنّه عدمي لا يمكن أن يتأخّر عن شيء أو يتقدّم، و لا يمكن أن يكون موضوعاً لحكم و لا شرطاً لشيء أو مانعاً عنه.
و بما ذكرنا ينهدم أساس الترتّب؛ لأنّه مبنيّ على التقدّم و التأخّر الرتبيين، و هما بين الأمر و إطاعته- على تأمّل فيه أيضاً- لا بينه و بين عصيانه. اللّهم إلّا أن يجعل الموضوع هو الذي لا يأتي بالمأمور به بلا عذر، لكن مع ذلك لا يكون التقدّم رتبياً. (مناهج الوصول ٢: ٤٧- ٤٨).