لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ١٧٢ - تحقيق في مسألة الترتّب
الثالثة: أنّ شرائط التكاليف متقدّمة عليها نحو تقدّم الموضوعات على الأحكام، فالاستطاعة متقدّمة رتبة على الأمر المتعلّق بالحجّ بشرط الاستطاعة.
و إن شئت قلت: إنّ الشرائط كلّها ترجع إلى تقيّد الموضوع بها، فتقدّمها على الأمر تقدّم الموضوع على الحكم، فكما أنّ الأمر إذا تعلّق بالمستطيع، فقيل:
«يجب على المستطيع الحجّ»، تكون الاستطاعة متقدّمة عليه، كذلك الأمر المشروط، بل تقدّم الشرط عليه أوضح (٥٤) [١].
[١]. ٥٤- أقول: ما ذكره من عدم تأخّر الحكم عن شرطه زماناً متين، سواء رجعت الشرائط إلى قيود الموضوع أو لا ...، لكن كلّ شرط إنّما يتقدّم على مشروطه رتبة في ظرف تحقّقه، لا حال عدمه.
و بعبارة اخرى: أنّ وجود الشرط يتقدّم على المشروط تقدّماً رتبياً، فقبل وجود الشرط لا يمكن تحقّق المشروط بالضرورة، فحينئذٍ يلاحظ فإن كان الشرط أمراً زمانياً فلا بدّ من تحقّقه في زمانه حتّى يتحقّق بعده مشروطه بلا تخلّل آن بينهما، و كذا لو كان غير زماني.
فإذا فرضنا واجبين مضيّقين أحدهما أهمّ، كإنقاذ الابن في أوّل الزوال و إنقاذ العمّ في أوّله، و يكون ظرف إنقاذ كلٍّ منهما ساعة بلا نقيصة و لا زيادة، فمع أمر المولى بإنقاذ الابن مطلقاً لا يعقل تعلّق أمره بإنقاذ العمّ مشروطاً بعصيان أمر الأهمّ؛ لأنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به بلا عذر في مقدار من الوقت يفوت به الإتيان به، و لا محالة يكون ذلك في زمان، و لا يعقل أن يكون الترك في غير الزمان؛ أي في ظرفه محقّقاً للمعصية؛ لعدم محقّقية الفوت به، ففوت الأهمّ المحقّق لشرط المهمّ لا يتحقّق إلّا بمضيّ زمان لا يتمكّن المكلّف من إطاعة أمره، و مضيّ هذا الزمان كما أنّه محقّق لفوت الأهمّ، محقّق لفوت المهمّ أيضاً، فلا يعقل تعلّق الأمر بالمهمّ في ظرف فوته، و لو فرض الإتيان به قبل عصيان الأهمّ، يكون بلا أمر، و هو خلاف مقصود القائل بالترتّب. (مناهج الوصول ٢: ٣٨- ٣٩).
و هذا الإشكال يهدم أساس الترتّب، سواء في مضيّقين، أو مضيّق و موسّع.
أمّا الأوّل: فقد عرفت.
و أمّا الثاني: فبعين ما ذكرنا؛ لأنّه إذا فرض كون أحدهما موسّعاً، لكن يكون أوّل زمانه أوّل الزوال الذي هو ظرف إتيان المضيّق، لا يعقل تعلّق الأمر بالموسّع أوّل الزوال مشروطاً بعصيان المضيّق؛ لما عرفت من أنّ العصيان ترك المأمور به في مقدار من الزمان يفوت به الأهمّ، فلا بدّ من تعلّق الأمر بالموسّع بعد مضيّ زمان يتحقّق به العصيان، و هو هدم أساس الترتّب.
و كذا الحال لو فرض أنّ العصيان آنيّ الوجود؛ لأنّه قبل مضيّ هذا الآن لا يتحقّق شرط المهمّ، فيكون ظرف تحقّق أمر الأهمّ فقط، و بتحقّقه سقط أمر الأهمّ بحصول العصيان و مضيّ أمد اقتضائه، و لا يُعقل بقاؤه على فعليته بعد عصيانه و مضيّ وقته، فتفويت متعلّق الأهمّ في رتبة متقدّمة أو آنٍ متقدّم على تعلّق أمر المهمّ، و سقوط أمر الأهمّ و ثبوت أمر المهمّ في رتبة واحدة أو آنٍ واحد، فأين اجتماعهما؟!
و إن شئت قلت: إنّ اجتماعهما مستلزم لتقدّم المشروط على شرطه، أو بقاء فعلية الأمر بعد عصيانه و مضيّ وقته، و هما باطلان. (مناهج الوصول ٢: ٤٠- ٤١).