لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٤٣٦ - تحقيق المقام
طينتهما، و سوء سريرتهما، و شقاوتهما الذاتيّة، ليس كذلك مطلقاً، بل قلّما يتّفق أن يكون صدور العصيان و التجرّي على المولى، ناشئَيْن عن سوء السريرة مع المولى، و لو فرض كون العبد مع مولاه كذلك، لكشف ذلك عن كفره و عناده مع مولاه.
لكن الأمر ليس كذلك نوعاً؛ فإنّه كثيراً ما يكون العاصي أو المتجرّي حسنَ السريرة معه، خاضعاً لربوبيّته، مائلًا لطاعته، محبّاً له، لكن غلبته الشهوات و الميول الباطنيّة، و أعانت عليه الوساوس الشيطانيّة، فإذا ارتكب المعصية ندم على ما فعل غاية الندامة، و ذمّ نفسه، و رجع إلى ربّه. و مثله تكون سريرته حسنة، و طينته طيّبة، و ليس من الأشقياء، بل ربّما يكون من السعداء، فلا يصحّ أن يقال عمّن عصى و اجترأ على مولاه: «إنّه سيّئ السريرة، خبيث الطينة ...» إلى غير ذلك.
و التحقيق أن يقال: إنّ الذمّ لا يكون على سوء السريرة و خبث الطينة كما ذكره، و لا على العزم و الجزم على المعصية، و كونِه بصدد هتك المولى، مع كون الفعل المتجرّى به على ما هو عليه كما عليه المحقّق الخراسانيّ [١].
بل لأنّ المتجرّي و العاصي، إنّما يكونان متوافقين في أنّ مبدأ المخالفة للمولى كان فيهما بالقوّة، فصار فعليّاً بحركتهما الاختياريّة، فالمتجرّي خرج من قوّة مخالفة المولى إلى فعليّتها بذلك الفعل الاختياريّ كالعاصي، و إنّما الفرق بينهما أنّ العاصي وقع في مفسدة الفعل بما أنّه فعل ذو مفسدةٍ، دون المتجرّي (١٣٧) [٢].
[١] كفاية الاصول: ٢٩٨- ٢٩٩.
[٢]. ١٣٧- إنّ بين التجرّي و المعصية جهة اشتراك، وجهة امتياز:
أمّا الثاني: فيمتاز التجرّي عنها في انطباق عنوان المخالفة عليها دونه، و لا إشكال في حكم العقل بقبح مخالفة أمر المولى و نهيه مع الاختيار، و العقلاء مطبقون على صحّة المؤاخذة على مخالفة المولى بترك ما أمره، و ارتكاب ما نهى عنه، و لا ريب أنّ تمام الموضوع في التقبيح هو المخالفة فقطّ، من غير نظر إلى عناوين اخر، كهتكه و ظلمه و خروجه عن رسم العبودية إلى غير ذلك، كما أنّها تمام الموضوع أيضاً عند العقلاء الذين أطبقوا على صحّة مؤاخذة المخالف، من غير فرق فيما ذكرنا بين أن يكون نفس العمل ممّا يحكم العقل بقبحه مستقلًاّ، كالفواحش، أو لا، كصوم يوم العيد و الإحرام قبل الميقات.
و الحاصل: أنّ العقل إذا لاحظ نفس مخالفة المولى عن اختيار، يحكم بقبحه مجرّدة عن كافّة العناوين؛ من الجرأة و أشباهها.
و أمّا الأوّل:- أعني الجهة المشتركة بينهما- فهي الجرأة على المولى و الخروج من رسم العبودية و زيّ الرقّية و العزم و البناء على العصيان و أمثالها.
و أمّا الهتك فليس من لوازم التجرّي، و لا المعصية؛ فإنّ مجرّد المخالفة أو التجرّي ليس عند العقلاء هتكاً للمولى و ظلماً عليه.
و عند ذلك يقع البحث في أنّ التجرّي هل هو قبيح عقلًا أو لا؟ و على فرض قبحه هل هو مستلزم للعقاب أو لا؟ لما عرفت من عدم الملازمة بين كون الشيء قبيحاً و كونه مستلزماً للعقوبة.
و الذي يقوي في النفس سالفاً و عاجلًا عدم استلزامه للعقوبة، سواء قلنا بقبحه أم لا، و الشاهد عليه: أنّه لو فرض حكم العقل بقبح التجرّي و استحقاق العقوبة عليه، فليس هذا الحكم بملاك يختصّ بالتجرّي و لا يوجد في المعصية، بل لو فرض حكمه بالقبح و صحّة المؤاخذة فلا بدّ أن يكون بملاك مشترك بينه و بين المعصية، كأحد العناوين المتقدّمة المشتركة، و لو كانت الجهة المشتركة بينهما ملاكاً مستقلًاّ للقبح و استحقاق العقوبة، لزم القول بتعدّد الاستحقاق في صورة المصادفة؛ لما عرفت أنّ مخالفة المولى علّة مستقلّة للقبح و الاستحقاق، فيصير الجهة المشتركة ملاكاً مغايراً موجباً لاستحقاق آخر. (تهذيب الاصول ٢: ٨٩- ٩٠).