المعتبر في شرح المختصر - المحقق الحلي - الصفحة ١٨ - مقدمة الكتاب
الدال على الصدق، فيتلقى بالقبول أو أمره و نواهيه، و يذعن بالتسليم لما يسنه و يقرره.
و لما قضت الحكمة بالعدم، و أوجبت فناء الأمم، لزم أن يوعز ما لقن من أحكامه، و لقن أقسامه إلى أئمة ينوبون منابه و يقومون مقامه، يحفظون ما أودعه و يؤدون ما شرعه، لا تعلق بهم عوارض الالتباس و لا يسندون الى استحسان و لا قياس ليوثق بما يؤخذ عنهم كما قال اللّه سبحانه لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [١].
و لما كانت الحوادث قد تفرض و الموانع قد تعرض، ندب اللّه سبحانه الى التفقه، فق لتنبه الغافلون و يهتم المهملون فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [٢] و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «طلب العلم فريضة» [٣] و قال علي (عليه السلام): «العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه منهم» [٤] و قال جعفر بن محمد «لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج» [٥] لكن لم يبذل لكل طالب و لا تيسر لكل راغب بل خص به من رشدت خلائقه، و حمدت طرائقه تعظيما لقدره، و تفخيما لأمره، و صونا لسره، فقال سبحانه: تنبيها و تذكيرا يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٦] فلهذا كان الفقهاء أعظم الناس أقدارا، و أكرمهم آثارا، و أظهرهم اسرارا، و أظهرهم ذكرا و انتشارا، و أكثرهم أتباعا و أنصارا، لا يضرهم خذلان الخاذلين، و لا يغض منهم أغراض الجاهلين، بل صحبتهم طاعة، و فرقتهم إضاعة.
[١] النساء: ٨٣.
[٢] التوبة: ١٢٢.
[٣] الكافي ج ١ كتاب فضل العلم ص ٣٦.
[٤] الكافي ج ١ كتاب فضل العلم ص ٣٥.
[٥] بحار الأنوار ج ١ ص ١٧٧ طبع حديث.
[٦] البقرة: ٢٦٩.