ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ٧٦ - لوائح الجنان و روائح الجنان
و أصغ لرجع الصوت، عند انقطاعه # إليك، بأكناف القصور المشيدة [١]
أهل كان من ناجاك، ثمّ، سواك، أم # سمعت خطابا عن صداك المصوّت [٢]
و قل لي: من ألقى إليك علومه، # و قد ركدت منك الحواس بغفوة [٣]
و ما كنت تدري، قبل يومك، ما جرى # بأمسك، أو ما سوف يجري بغدوة
فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى # و أسرار من يأتي، مدلا بخبرة [٤]
أ تحسب من جاراك، في سنة الكرى # سواك بأنواع العلوم الجليلة [٥]
و ما هي إلاّ النّفس، عند اشتغالها # بعالمها، عن مظهر البشريّة
تجلّت لها بالغيب، في شكل عالم، # هداها إلى فهم المعاني الغريبة [٦]
و قد طبعت فيها العلوم، و أعلنت # بأسمائها، قدما، بوحي الأبوّة [٧]
و بالعلم من فوق السّوى ما تنعّمت، # و لكن بما أملت عليها تملّت [٨]
و لو أنّها، قبل المنام، تجرّدت # لشاهدتها مثلي، بعين صحيحة [٩]
و تجريدها العاديّ، أثبت، أوّلا # تجرّدها الثّاني المعادي، فأثبت
و لا تك ممّن طيّشته دروسه، # بحيث استقلّت عقله، و استقرّت [١٠]
فثمّ، وراء النّقل، علم، يدقّ عن # مدارك غايات العقول السليمة [١١]
[١] اكناف القصور: ارجاء القصور. المشيدة: العامرة.
[٢] ثم: غير. صداك المصوّت: صوت نفسك عند ترجيع الصدى.
[٣] ركدت: هدأت. الغفوة: النوم القليل.
[٤] المدلّ: المعتدّ.
[٥] جاراك: سايرك. السنة: النعاس. الكرى: النوم.
[٦] تجلت: ظهرت واضحة.
[٧] طبعت فيها العلوم: وجدت بكثرة حتى أصبحت من صفاتها.
[٨] السوي: الغير. تنعمت: حصلت على الخير. أملت: نصّت. تملت: شبعت.
[٩] تجردت: مجاز معناه ظهرت على حقيقتها. العين الصحيحة: التي لا تشوبها شائبة.
[١٠] طيشته: أجهلته. استقرت: توطنت. و المعنى لا تكن جاهلا تتحكم اهواؤه بمسار حياته.
[١١] يدق: ينم. المدارك: المعالم.