تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٩٥ - و من حم و هى السورة التي تجب فيها «السجدة»
و قوله سبحانه: وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنَّكَ تَرَى اَلْأَرْضَ خََاشِعَةً، فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ [٣٩]و هذه استعارة. و قد مضى الكلام على نظيرها فى «الحج» . إلا أن هاهنا زيادة، و هى صفة الأرض بالخشوع، كما وصفت هناك بالهمود. و اللفظان جميعا يرجعان إلى معنى واحد، و هو ما يظهر على الأرض من آثار الجدب، و أعلام المحل، فتكون كالإنسان الخاشع الذي قد سكنت أطرافه، و تطأطأ استشرافه.
و قوله سبحانه: وَ إِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ، لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [٤١]، [٤٢]و هذه استعارة. و قد قيل فيها أقوال:
منها أن يكون المراد بذلك أن هذا الكتاب العزيز لا يشبهه شىء من الكلام المتقدم له، و لا يشبهه شىء من الكلام الوارد بعده. فهذا معنى: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ لأنه لو أشبهه شىء من الكلام المتقدم أو الكلام المتأخر لأبطل معجزته، و فصم حجته.
فكأن الباطل قد أتاه من إحدى الجهتين المذكورتين، إما من جهة أمامه، و إما من جهة ورائه. و هذا معنى عجيب.
و قال بعضهم: معنى ذلك أنه لا تعلق به الشّبهة من طريق المشاكلة، و لا الحقيقة من جهة المناقضة، فهو الحق الخالص الذي لا يشوبه شائب، و لا يلحقه طالب.
و قال بعضهم: معنى ذلك أن الشيطان و الإنسان لا يقدران على أن ينتقصا منه حقا، و لا يزيدا فيه باطلا.
و قال بعضهم: معنى ذلك أنه لا باطل فيه من الإخبار عمّا كان و ما يكون. فكأنّ المراد بقوله سبحانه: لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي من جهة ما أخبر عنه