تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٣٩ - و من السورة التي يذكر فيها الأنعام
و قوله سبحانه: وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنََاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [١٠٠]فى قراءة من قرأ: و خرقوا بالتخفيف، و فى قراءة من قرأ خرّقوا بالتثقيل. فهذه استعارة. و المراد أنهم دعوا له سبحانه بنين و بنات بغير علم، و ذلك مأخوذ من «الخرق» و هى الأرض الواسعة، و جمعها خروق، لأن الريح تتخرق فيها، أي تتسع. و الخرق من الرجال: الكثير العطاء، فكأنه يتخرق. و الخرقة: جماعة الجراد مثل الحرقة، و الخريق: الريح الشديد الهبوب.
فكأن معنى قوله تعالى: وَ خَرَقُوا لَهُ أي اتّسعوا فى دعوى البنين و البنات له، و هم كاذبون فى ذلك. و من قرأ؛ و خرّقوا [١] فإنما أراد تكثير الفعل من هذا الجنس.
و الاختراق، و الاختلاق، و الاختراع، و الانتسال بمعنى واحد، و هو الادعاء للشيء على طريق الكذب و الزور.
و قوله سبحانه: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىََ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً [١١٢]و هذه استعارة. لأن الزخرف فى لغة العرب: الزينة. و من ذلك قولهم: دار مزخرفة أي مزيّنة.
فكأنه تعالى قال: يزينون لهم القول ليغتروا به، و ينخدعوا بظاهره، كما يستغرّ بظاهر جميل، على باطن مدخول.
و قوله تعالى: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [١١٠] و هذه استعارة. لأن تقليب القلوب و الأبصار على الحقيقة و إزالتها عن مواضعها، و إقلاقها عن مناصبها لا يصح و البنية صحيحة و الجملة حيّة متصرفة. و إنما المراد-و اللّه أعلم-أنا نرميها بالحيرة و المخافة، جزاء على الكفر و الضلالة. فتكون الأفئدة مسترجعة لتعاظم أسباب المخاوف، و تكون الأبصار منزعجة لتوقع طلوع المكاره. و قد
[١] و قرئ: «و حرفوا» بالحاء المهملة و الفاء. أي زوروا. انظر «أنوار التنزيل و أسرار التأويل» طبع دار الكتب العربية الكبرى، جـ ٢ ص ٢٠١.