تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٩٤ - و من السور التي يذكر فيها «النّحل»
و قوله سبحانه: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ اَلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكََاذِبُونَ [٨٦]و هذه استعارة.
و المراد بإلقاء القول-و اللّه أعلم-إخراج الكلام مع ضرب من الخضوع و الاستكانة و الإسرار و الخفية، كما قال سبحانه: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [١] و فى هذا الكلام مفعول محذوف. فكأنه قال تعالى: تلقون إليهم الأخبار بالمودة. و هذا القول نزل فى قوم من المؤمنين كانوا يجتمعون مع قوم من المنافقين بأرحام تلفّهم، و خلل [٢] تولد عنهم، فيتسقطونهم ليعرفوا منهم أخبار النبي صلّى اللّه عليه و سلم و المؤمنين، فنهوا عن مناقشتهم و الاجتماع معهم. فكأن المعنى:
تلقون إليهم الأسرار بالمودة التي بينكم، على سبيل الإسرار و الإخفاء.
و قد قيل إن المراد: تلقون [٣] إليهم المودة، فقال تعالى: بالمودّة، كما قال سبحانه:
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [٤] أي تنبت الدهن على أحد التأويلين، و نظير التأويل الأول قوله سبحانه فى ذكر الشياطين: يُلْقُونَ اَلسَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كََاذِبُونَ [٥] أي يطلبون سماع الأخبار على وجه الاستخفاء و الاستسرار. و هذا الوجه لا يصح [٦] فى قوله تعالى: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ اَلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكََاذِبُونَ [٨٦]لأن الحال التي أخبر سبحانه بأن هذا يجرى فيها هى حال القيامة، و تلك حال لا يجوز فيها الاستسرار لقول، و لا الكتمان لسر، لأن السرائر مظهرة و الضمائر مصحرة. [٧] و إنما المراد بهذا الكلام ما يقوله المعبودون لمن عبدهم من الأمة، إذ يقول سبحانه: وَ إِذََا رَأَى اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكََاءَهُمْ، قََالُوا رَبَّنََا هََؤُلاََءِ شُرَكََاؤُنَا اَلَّذِينَ كُنََّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [٨٦]
[١] سورة الممتحنة. الآية رقم ١.
[٢] الخلل: جمع خلة و هى الصداقة و الصحبة.
[٣] فى الأصل: يلقون.
[٤] سورة المؤمنون. الآية رقم ٢٠
[٥] سورة الشعراء. الآية رقم ٢٢٣
[٦] فى الأصل: من قوله تعالى. و هو تحريف من الناسخ صوابه ما أثبتناه
[٧] أصحر الأمر: أظهره و أعلنه فى غير خفاء