تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٥٤ - و من السورة التي يذكر فيها «يونس» عليه السلام
الاستيلاء بالقدرة و السلطان، لا بحلول القرار و المكان. كما يقال:
استوى [١] فلان الملك على سرير ملكه. بمعنى استولى على تدبير الملك، و ملك مقعد الأمر و النهى. و حسن صفته بذلك و إن لم يكن له فى الحقيقة سرير يقعد عليه، و لا مكان عال يشار إليه. و إنما المراد نفاذ أمره فى مملكته، و استيلاء سلطانه على رعيته.
فإن قيل: فاللّه سبحانه مستول على كل شىء بقهره و غلبته، و نفاذ أمره و قدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر هاهنا؟قيل-كما ثبت-أنه تعالى رب لكل شىء. و قد قال فى صفة نفسه، رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ [٢] فإن قيل: فما معنى قولنا عرش اللّه، إن لم يرد بذلك كونه عليه؟قيل كما يقال: بيت اللّه و إن لم يكن فيه، و العرش فى السماء تطوف به الملائكة تعبدا، كما أن البيت فى الأرض تطوف به الخلائق تعبدا.
و قوله سبحانه: وَ تَحِيَّتُهُمْ [٣] فِيهََا سَلاََمٌ [١٠]و هذه استعارة على بعض الأقوال.
كأنّ المعنى أن بشراهم بالسلامة من المخاوف عند دخول الجنة تجعل مكان التحية لهم. لأن لكل داخل دارا تحية يلقى بها، و يؤنس بسماعها. و السلام هاهنا من السلامة، لا من التسليم.
[١] و منه قول الراجز:
قد استوى بشر على العراق*من غير سيف و دم مهراق انظر «القرطبي» ج ٧ ص ٢٢٠.
[٢] سورة التوبة. الآية رقم ١٢٩، و النمل الآية رقم ٢٦، و المؤمنون. الآية ٨٦، و نصها هنا قُلْ مَنْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ اَلسَّبْعِ وَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ .
[٣] فى الأصل «تحيتهم» بغير واو. و الصواب «و تحيتهم» بالواو عطفا على ما قبلها، و هو قوله تعالى: دَعْوََاهُمْ فِيهََا سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهََا سَلاََمٌ .