تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٥٦ - و من السورة التي يذكر فيها «يونس» عليه السلام
و هذه استعارة عجيبة. و قد أومأنا إلى نظيرها فيما تقدم. و ذلك أنه سبحانه-إنما سمّى النهار مبصرا، لأن الناس يبصرون فيه، فكأن ذلك صفة الشيء بما هو سبب له، على طريق المبالغة. كما قالوا: ليل أعمى، و ليلة عمياء. إذا لم يبصر الناس فيها شيئا لشدة إظلامها.
و قوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ، ثُمَّ لاََ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً [٧١]. على قراءة من قرا: فَأَجْمِعُوا [١] . من الجمع، لا على قراءة من قرأ:
فَأَجْمِعُوا من الإجماع. و هذه استعارة. و المعنى: اشتوروا فى أمركم، و أجمعوا له بالكم، و بالغوا فى قدح الرأى بينكم، حتى لا يكون أمركم غمة عليكم [٢] . أي مغطى تغطية حيرة، و مبهما إبهام جهالة، فيكون عليكم كالغمة العمياء، و الطخية الظلماء.
و ذلك مأخوذ من قولهم: غمّ الهلال. إذا تغطى ببعض الموانع التي تمنع من رؤيته. ثم افعلوا بي ما أنتم فاعلون.
و هذه حكاية لقول نوح عليه السلام لقومه. و يخرج الكلام منه على الاستقلال لكيدهم، و قلة الحفل باستجماعهم و احتشادهم.
و قوله سبحانه. رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلىََ أَمْوََالِهِمْ وَ اُشْدُدْ عَلىََ قُلُوبِهِمْ [٨٨]. و هذه استعارة. لأن حقيقة الطمس محو الأثر. من قولهم: طمست الكتاب. إذا محوت سطوره. و طمست الريح ربع الحىّ. إذا محت رسومه. فكأنّ موسى عليه السلام إنما دعا اللّه سبحانه بأن يمحو معارف أموالهم بالمسح لها، حتى لا يعرفوها، و لا يهتدوا إليها، و تكون منقلبة عن حال الانتفاع بها، لأن الطمس تغيّر حال الشيء إلى الدثور و الدروس.
[١] هى قراءة عاصم الجحدري، بوصل الألف و فتح الميم. من جمع يجمع
[٢] و منه قول الشاعر الجاهلى طرفة:
لعمرك ما أمرى على بغمة*نهارى، و لا ليلى على بسرمد