بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢ - الثمرة الثالثة
أوامر متعددة، بأشياء متعددة، و ثبت من الخارج، أن أكثر هذه الأشياء ليس واجبة، و بعضها لا يرى أنه واجب أو ليس بواجب، فهنا يقولون إن دلالة السياق تقتضي أيضا حمل هذا البعض على الاستحباب، فمثلا إذا ورد أنه إذا أردت أن تصلي فأذّن، و أقم، و استعذ من الشيطان، مع العلم أن هذه الأمور ليست واجبة، إلّا الإقامة، لا يعلم أنها واجبة أو غير واجبة، فحينئذ، بمقتضى وحدة السياق، و كون عنوان «أقم»، ورد مع أوامر متعددة، و كلها استحبابية، إذن يكون هذا العنوان دالا على استحباب الإقامة أيضا.
و دلالة السياق هذه بناء على مسلك الوضع هي تامة، فإن دلالة السياق مرجعها إلى أن المدلول العرفي اللفظي لهذه الكلمات الواردة في سياق واحد هو واحد أيضا، و بناء على مسلك الوضع، يكون الوجوب و الاستحباب بنفسه مدلولا للفظ.
و على هذا، فإمّا أن يكون مدلولها بأجمعها هو الوجوب، و إمّا أن يكون هو الاستحباب، باعتبار ظهور حال السياق الواحد في أنّ ما تشابه من الألفاظ في هذا السياق ذات مدلول لفظي واحد أيضا، و قد علم من الخارج أن مدلول أكثر الكلمات الواردة ليس هو الوجوب يقينا، إذن بقرينة وحدة السياق، ينثلم مدلول «أقم» في الوجوب أيضا، و يحمل على الاستحباب.
و أما بناء على مسلك الميرزا، القائل بأن المدلول اللفظي ليس هو الوجوب أو الاستحباب، بل هو أصل الطلب، و الوجوب و الاستحباب، هما من شئون حكم العقل، فعلى هذا، لا يمكن إثبات استحبابية الإقامة، أو القدح في دلالة «أقم» على الوجوب، ببركة وحدة السياق، و ذلك لأن غاية ما تقتضيه وحدة السياق هو وحدة المدلول اللفظي لهذه الكلمات، و المدلول اللفظي واحد، و هو الطلب، فلا مانع من الالتزام بوجوب الإقامة، مع كون غير الإقامة مما ورد مستحبا، و لا تنثلم بذلك وحدة السياق، لأنها محفوظة، باعتبار أن المدلول اللفظي واحد و هو الطلب، إذن فوحدة السياق محفوظة، فلا يمكن ببركة هذه الوحدة نفي دلالة «أقم» على الوجوب.