بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٥ - الإشكال الثاني
وجه، و لا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، و ذلك لأنّ الوجوب مستفاد من إطلاق الطلب الشديد في قوله «أكرم الفقيه»، فيقع إطلاق الطلب طرفا للمعارضة مع إطلاق العالم في قوله لا يجب إكرام العالم فالأمر يدور، بين أن نقيّد إطلاق العالم بغير الفقيه، تحفظا على إطلاق أكرم الفقيه الظاهر في الوجوب، و بين أن نقيّد إطلاق الطلب، في أكرم الفقيه، فنحمله على الطلب غير الشديد، تحفظا على إطلاق العالم في خطاب «لا يجب إكرام العالم».
إذن بناء على مسلك الإطلاق، يقع التعارض، بين إطلاقين متعارضين في عالم الدليل اللفظي، بحيث أن النسبة بين هذين الإطلاقين، من قبيل النسبة بين العامين من وجه، بمعنى أنه يمكن رفع اليد عن كل منهما، تحفظا على الآخر، إذن فرفع اليد عن أحدهما بعينه دون الآخر، ترجيح بلا مرجح، فيتساقط الإطلاقان معا في المقام.
و أمّا بناء على مسلك الوضع، فلا تعارض بين الإطلاقين، بل يكون دليل «أكرم الفقيه»، مخصّصا لدليل «لا يجب إكرام العالم»، لأن النسبة بينهما تكون نسبة الخاص إلى العام، و لا إشكال عند العرف و الفقه، أن البناء هو التخصيص، حتى عند أصحاب مسلك الإطلاق، و حينئذ، بما أن التخصيص لا يصح إلّا بناء على الوضع، فلا يكفي مسلك الإطلاق لتفسير ما عليه البناء فقهيا و عرفيا من التخصيص، لأنه بناء على مسلك الإطلاق، يقع التعارض بين الإطلاقين، و لا ترجيح لأحدهما دون الآخر، فيتساقطان، مع أن أصحاب الإطلاق، يقولون في الفقه بالتخصيص، فيما إذا ورد دليلان، كالخطابين المذكورين، فهذا يكشف بالإن على أن ملاك الدلالة هو الوضع لا الإطلاق و مقدمات الحكمة بالخصوص.
و هذا الإشكال، يمكن دفعه بأحد وجهين من قبل أصحاب مسلك الإطلاق، بحيث يمكن توجيه التخصيص، حتى على مسلك الإطلاق.