بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٧ - المبنى الثالث
طلب مطلق، و الطلب هذا، من حيث إطلاقه، لا يختلف حاله بين موارد وجوب صلاة الصبح تعيينا، أو موارد وجوب صلاة الجمعة تخييرا، أو استحباب صلاة الليل نافلة، ففي كل هذه الموارد الثلاثة، يوجد طلب مولوي مطلق، لكن الطلب المطلق المتعلق بصلاة الليل، هو طلب مشوب بجواز الترك المطلق، أي أنّ المولى يرخص بمخالفة هذا الطلب، و أمّا الطلب التعييني الوجوبي لصلاة الصبح، فإنّ المولى لا يرخص بمخالفته مطلقا، و أمّا الطلب التخييري الوجوبي لصلاة الجمعة، «بناء على الوجوب التخييري لصلاة الجمعة»، فهو مرتبة وسطى، بين هاتين المرتبتين، فإنّ المولى يرخص في تركه، لكن لا كل أنحاء تركه، بل في بعض أنحاء تركه، و هو الترك إلى بدل، إذن فطلب الوجوب التخييري، عبارة عن طلب مطلق، مقترن بحصة خاصة من حصص الترك، في مقابل الاستحباب الذي هو طلب مطلق، مقترن بتجويز مطلق حصص الترك، و في مقابل الوجوب التعييني، الذي هو طلب مطلق، مقترن بعدم تجويز أي حصة من حصص الترك.
فلو بنينا على هذا المبنى، فحينئذ، تكون نسبة الوجوب التخييري إلى الوجوب التعييني، نسبة الاستحباب إلى الوجوب.
و عليه فنفس البيانات السابقة في توضيح اقتضاء الصيغة للوجوب أو للاستحباب، ترد في المقام، لتعيين اقتضاء الصيغة للوجوب التعييني، في مقابل الوجوب التخييري.
فقد قلنا سابقا، أنّه لو لم نلتزم بأن صيغة «افعل»، موضوعة للوجوب، و لكن مع هذا، فهي تدل على الوجوب بالإطلاق، لما بيّناه، من أن مفاد صيغة «افعل»، هو النسبة الإرسالية و الإلقائية، و هذه النسبة، لا تترك مجالا لعدم الانفعال بهذا الإلقاء، و هذا معنى سدّ جميع أبواب العدم، بملاك المساوقة بين الإلقاء التشريعي و الإلقاء التكويني، فكما أنّ الإلقاء التكويني يسد جميع أبواب العدم، فكذلك الإلقاء التشريعي لا يترك مجالا للترك، و قد تقدّم توضيح هذا الإطلاق سابقا، و بنفس هذا التقريب، أثبتنا الوجوب في مقابل الاستحباب.