بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٤ - المسلك الثاني
الشبهة، جعلت الضرورة بقول مطلق، منافية مع الاختيار، و هذا المسلك جعل الإمكان، مساوقا مع الاختيار.
أمّا الخطأ الأول، فإن الضرورة ليست مطلقا منافية مع الاختيار، ضرورة أن الضرورة، إذا كانت ناشئة من الاختيار، و في طوله، فلا تكون منافية مع الاختيار، و إذا كانت غير ناشئة من الاختيار، و ليست في طوله، بل هي مستقلة، فتكون منافية للاختيار لا محالة، و لهذا لا بدّ من البحث كما سيأتي، من أن ضرورة الفعل، هل هي في طول الاختيار، أو هي مستقلة عن الاختيار، أمّا كيف يتم ذلك، فهذا مرتبط بمعرفة الاختيار، فإن الفلاسفة كما مرّ بك، فسّروا الاختيار بمعنى الإرادة، «إن أراد فعل»، و قلنا أن هذا التفسير ليس صحيحا.
إذن لا بدّ أولا أن نعرف معنى الاختيار، لنعرف أن الضرورة هل هي في طوله أو مستقلة عنه، فإن كانت في طوله لم تناف الاختيار، و إن لم تكن في طوله، فهي منافية للاختيار لا محالة، كما يأتي تتمة الكلام في ذلك فيما بعد.
و أمّا الخطأ الثاني، فهو أنّ المسلك، يزعم أن مبادئ العليّة، و نفي الضرورة، و إبقاء الفعل على الإمكان، مساوق مع الاختيار، فهذا ليس بصحيح، فإن مجرد كون الفعل ليس ضروريا، لا يكفي في كونه اختياريا للفاعل، فإن إنكار مبادئ العلية و نفي الضرورة، معناه التسليم بالصدفة، لأن هناك أحد أمرين، فإمّا أن يقال بأن الشيء يحدث لقانون العلية، و إمّا أن يقال أنه يحدث صدفة، مع كونه ممكن الوجود و العدم، فصدفة يوجد و صدفة يعدم.
و من الواضح أن الصدفة غير الاختيار، فكون الفعل يوجد صدفة و بلا علة موجبة له، هذا معنى لا ينتزع منه العقل عنوان الاختيار، بدليل أنه لو فرض محالا وقوع حادثة في الطبيعة صدفة، لا ينتزع العقل من ذلك أن الطبيعة أصبحت مختارة في إيجاد هذه الحادثة، بل يقال أن هذه الحادثة كان من