بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٩٠ - الاحتمال السابع
لأن هاتين المصلحتين هما تعيينيّتان لا مصلحتان على سبيل البدل، لأن المفروض أن إحداهما لا تستوفي الأخرى، غاية الأمر أنهما يتزاحمان خارجا لأن المكلّف لضيق قدرته لا يمكنه أن يأتي بمؤدّى الحكم الظاهري- الجمعة- و يستوفى مصلحته، و كذلك يأتي بمؤدّى الحكم الواقعي- الظهر- و يستوفي مصلحته للتضاد بينهما، و حينئذ يقال، بأن التزاحم إنما يقتضي استحالة الأمرين الفعليين المنجزين بالمتزاحمين بأن يكون المتزاحمان كلاهما منجز و فعلي و واصل. و أمّا إذا كان أحد الخطابين و اصل دون الآخر فلا سبيل حينئذ إلى المزاحمة بينهما، و هذا هو أحد فروق باب المزاحمة عن باب المعارضة، فإنه في باب التعارض خطاب صلّ يعارض خطاب لا تصلّ، سواء وصل خطاب لا تصلّ أو لم يصل.
و لكن في باب التزاحم فإن خطاب «أزل النجاسة» عن المسجد إنما يتزاحم مع خطاب «صلّ» فيما إذا وصل كلا الخطابين إلى المكلف و أمّا إذا لم يصل أحدهما إلى المكلف فلا تزاحم بينهما و يبقى كل من الخطابين على واقعه و حدوده دون أن يقع المكلف في ضيق و عجز من الخروج عن عهدة هذين الخطابين، و فيما نحن فيه من هذا القبيل، فإن خطابي الحكم الواقعي و الحكم الظاهري و إن كانا متزاحمين ملاكا لكنهما غير واصلين معا بل لا يعقل وصولهما معا إلى المكلف و إلّا لارتفع الحكم الظاهري بوصول الواقعي، لأن فرض وجود الحكم الظاهري إنما هو الشك في الواقع، و الواقع غير واصل، و ما دام هكذا أمرهما وصول أحدهما يساوق عدم وصول الآخر إذن فلا منافاة بينهما و يبقى كل منهما تعيينيا على حاله دون انقلاب إلى التخييري، لأن المقتضي للأمر التعييني بالواقع، و هو المصلحة التعيينية موجود، و المانع و هو المزاحم مفقود.
أمّا كون المقتضي موجود فلأن المصلحة تعيينية و هي تقتضي خطابا تعيينيا، و أمّا كون المانع مفقود فلأن المانع هو المزاحمة و المزاحمة إنما تكون مانعا فيما إذا وصل كلا الخطابين و هنا لا يعقل وصول كلا الخطابين لأن