بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢ - محاولة إبطال المسلك الثاني
و توضيحه: لو قال المولى «آمرك باكرام الفقيه أو أكرم الفقيه» و ورد على لسان المولى أيضا «لا يجب إكرام العالم»، الأعم من الفقيه و غير الفقيه. فإن هذين الدليلين بينهما تعارض بدوي، لأن قوله «أكرم الفقيه» ظاهر في وجوب إكرام الفقيه، و قوله «لا يجب إكرام العالم» دال بعمومه و إطلاقه على عدم وجوب إكرام الفقيه لأن الفقيه هو أيضا أحد العلماء، فلا بأس بترك إكرامه. و مقتضى الجمع العرفي بين هذين الدليلين، هو جعل الخاص قرينة على العام، و يخصّص العام بالخاص، لأن الخاص بحسب الفهم العرفي يصلح أن يكون قرينة على العام فيخصصه، و أمّا العام فلا يصلح بحسب هذا الفهم أن يكون قرينة على الخاص، إذن فترفع اليد عن عموم العام و يلتزم بالتخصيص و نتيجة ذلك، أن الفقيه يجب إكرامه، و غير الفقيه من العلماء لا بأس بترك إكرامه، هذه نتيجة الجمع الدلالي بين هذين الدليلين.
و هذا الجمع إنما يتم بناء على أن يكون الوجوب مدلولا لفظيا للخطاب إمّا بالوضع أو بمقدمات الحكمة و أمّا بناء على أن يكون الوجوب ليس مدلولا للفظ، و أن الأمر مادة و صيغة لا يدل على الوجوب أصلا، و إنما يدل على جامع الطلب، فعلى هذا، إذن لا تعارض بين الدلالتين فإن دلالة «أكرم الفقيه» هي جامع طلب الإكرام المناسب للوجوب و الاستحباب، و دلالة «لا يجب إكرام العالم» هي نفي الوجوب فقط، إذن فلا تعارض بين الدلالتين حتى يصل الأمر إلى الجمع الدلالي، و تقديم القرينة على ذي القرينة. بل يوجد في المقام حكم العقل بلزوم الامتثال، و من الواضح أن حكم العقل هذا معلّق على عدم صدور الترخيص من قبل المولى، و العام ترخيص من قبله، فيكون عموم العام واردا على حكم العقل و رافعا لموضوعه، فلم يبق للعقل حكم بوجوب الإطاعة، و يبقى عموم الترخيص من قبل المولى بلا معارض، لأن المفروض أن «أكرم الفقيه» لا يدل على الوجوب فيكون مقتضى القاعدة حينئذ، هو تقديم عموم الدال على الترخيص على دلالة الأمر على الوجوب، مع أن هذا لا يلتزم به عادة في الفقه، و ليس ذلك إلّا للارتكاز العرفي و الفقهي بأن دلالة الأمر على الوجوب ليس من باب حكم العقل، بل هي دلالة لفظية، و لهذا