بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٣ - المقام الثاني و هو تأسيس الأصل العملي في هذه المسألة
تارة، يكون واجبا بنحو مطلق الوجود، كما إذا قال «أكرم كلّ عالم»، ففي مثل ذلك، لا إشكال في استحالة اجتماع الأمر و النهي، باعتبار أنّ الأمر المجعول بنحو مطلق الوجود، يكون انحلاليا لا محالة، فكل فرد من أفراد المادة يكون موضوعا للأمر و الوجوب، فلو تعلّقت الحرمة ببعض أفراد المادة فيستحيل هنا شمول الوجوب لها، و ذلك، بسبب التضاد بين الوجوب و الحرمة، و هذا ممّا لا إشكال فيه.
و أمّا إذا فرضنا أن الواجب، لم يكن بنحو مطلق الوجوب، بل كان بنحو صرف الوجود الجامع بين الأفراد، فهنا لا يوجد محذور بحسب الحقيقة من ناحية التضاد، لأن الوجوب واقف على صرف الوجود و لا يسري منه إلى الأفراد، فإذا ثبتت الحرمة لفرد من الأفراد، لا يلزم من ذلك اجتماع الضدين، و ذلك لتعدّد الموضوع، إذ موضوع الحرمة هو الفرد، و موضوع الوجوب هو صرف الوجود، و عليه فلا سريان للوجوب المتعلق بصرف الوجود إلى الأفراد أصلا.
و بناء على هذا، لا يكون المحذور في عدم اجتماع الأمر و النهي هو المحذور الثبوتي.
إذن يكون محذور اجتماع الأمر و النهي محذورا إثباتيا.
و حاصل هذا المحذور الإثباتي، هو، أن الدليل الذي يدل على إيجاب الجامع بنحو صرف الوجود، يدل بالدلالة الالتزامية العرفية على الترخيص في تطبيق هذا الجامع على تمام أفراده.
و هذا المدلول الالتزامي العرفي لدليل «اغسل» و هو الترخيص في تطبيقه على تمام أفراده يكون منافيا لا محالة مع حرمة بعض أفراده، فالتنافي بحسب الحقيقة ليس بين دليل الحرمة و بين المدلول المطابقي لدليل «اغسل»، بل بين دليل الحرمة و المدلول الالتزامي العرفي لدليل «اغسل». و بذلك يسقط إطلاق المادة كما سيأتي توضيحه في بحث اجتماع الأمر و النهي.