الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٣٠٥ - المتن
١٨
المتن:
قال علي بن الحسين (عليه السلام): إني لجالس في تلك العشية و عندي عمتي زينب تمرّضني، إذ اعتزل أبي في خباء له و عنده جوين مولى أبي ذر الغفاري، يعالج سيفه و يصلحه و أبي يقول:
يا دهر أف لك من خليل * * * كم لك بالإشراق و الأصيل
من صاحب و طالب قتيل * * * و الدهر لا يقنع بالبديل
و إنما الأمر إلى الجليل * * * و كل حيّ سالك سبيل
و أعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها و عرفت ما أراد. فخنقتني العبرة فرددتها و لزمت السكوت، و علمت أن البلاء قد نزل. و أما عمتي فإنها سمعت ما سمعت و هي امرأة و من شأن النساء الرقة و الجزع؛ فلم تملك نفسها أن و ثبت تجرّ ثوبها- و إنها لحاسرة- حتى انتهت إليه فقالت: وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة؛ اليوم ماتت أمي فاطمة الزهراء (عليها السلام) و أبي علي (عليه السلام) و أخي الحسن (عليه السلام)؛ يا خليفة الماضين و ثمال الباقين.
فنظر إليها و قال: يا أختاه، لا يذهبن حلمك الشيطان، و ترقرقت عيناه بالدموع و قال:
لو ترك القطاة لنام. فقالت: يا ويلتاه، أ تغتصب نفسك اغتصابا؟ فذاك أقرح لقلبي و أشد على نفسي، ثم لطمت على وجهها و قال لها: يا أختاه، اتقي اللّه و تعزّي بعزاء اللّه و اعلمي أن أهل الأرض يموتون و أهل السماء لا يبقون و إن كل شيء هالك إلا وجهه الذي خلق الخلق بقدرته، إليه يعودون و هو فرد واحد، و إن أبي خير مني و أخي خير مني و لكل مسلم برسول اللّه أسوة.
فعزاها بهذا نحوه و قال لها: يا أختاه، إني أقسمت عليك فأبرّي قسمي؛ لا تشقّي عليّ جيبا و لا تخمشي عليّ وجها و لا تدعي عليّ بالويل و الثبور إذا أنا هلكت. ثم جاء بها و أجلسها عندي.