الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٠٠ - الفصل الثالث الأزهر و الحركة الوطنية عام ١٩١٩
تيقظ الأزهر دفعة واحدة و تحركت بواعث النخوة و الوطنية فيه، كما تحرك كل ما في مصر، و انتظم الجيش المسلح بإيمانه، المعتد بحقه، و رفعت الراية، و أصبح معهد الدين و العلم مستقر النهضة الكبرى و مستودع آياتها، و على أبوابه سقط أول شهيد مصري و هو من أبناء الأزهر، احتمل المدفع الرشاش بين يديه. و كان لا يدري ماذا يصنع به، و بينا هو يهم أن يقصيه في مكان ما. إذا بثلاثين رصاصة تخترق جسمه فيخر صريعا!
و لست أستطيع أن أقول شيئا عن الاجتماعات التي عقدت في الأزهر، فلم يكن منبره يخلو لحظة من خطيب. و لا عن أولئك الرجال الأبطال الذين كانوا يتوسدون أيديهم، و ينامون على أرض ذلك المسجد الفسيح .. و من المجاهدين من علمائه الزنكلوني، و عبد الباقي سرور، و الشيخ أبو العيون و سواهم، ممن اشتدت الحركة الوطنية بفضل ما أفادوه في بعث روح الإقدام و الجرأة في نفوس المصريين.
و كان الفقيد الكريم القاياتي يؤوب من المظاهرة في منتصف الليل، فيطوي رداءه تحت رأسه على «حصيرة» في الأزهر و ينام حتى الصباح ليخطب في المجتمعين.
أما المظاهرات فحدث عن إقدام الأزهريين و لا حرج، فقد كانت طرقات مصر كلها تغص بهم، و تمتلىء رحابها بإقدامهم، و هم يتراكضون في أنفة و عزة و شموخ إلى غاية المجد، إلى حيث الحرية و الاستقلال.
كان كل شيء في هذه النهضة جميلا ساميا، كأننا في جنة من جنان الخلد، و كان الشعور السائد القوى، شعورا سماويا، حتى نسينا البغض و الحقد و التمرد على الواجب، و أصبح كل فرد يحتضن أخاه المصري كأنهما ولدا في منزل واحد، و يناجيه كأنه وليه الحميم.
في هذا العهد الذي كان يتهم فيه الأزهر بالتعصب و صرامة الرأي، كان هو الذي فتح أبوابه لأبناء الطائفة القبطية محتفلا مرحبا، و كانت هذه الظاهرة العجيبة من أقوى أسباب التضامن الوثيق بين العنصرين.