الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٣٣ - الأزهر و تاريخنا القومي
و الشيخ الأمير و طال الحديث بينهم، و كان مداره حول حقوق الشعب، و لم يستطع ابراهيم بك و لا مراد بك و لا الأمراء المكابرة في هذه المرة، فقد كانت القاهرة تغلي كالمرجل و كانت أشبه ببركان يوشك أن يثور، و كان الشعب المتكتل في الخارج يلوح مهددا متوعدا، و انتهى هذا المجلس التاريخي بموافقة الأمراء و الوالي على القرارات الآتية:
أولا: لا تفرض ضريبة الا إذا أقرها مندوبو الشعب.
ثانيا: أن ينزل الحكام على مقتضى أحكام المحاكم.
ثالثا: ألا تمتد يد ذي سلطان إلى فرد من أفراد الأمة إلا بالحق و الشرع.
و كان القاضي الشرعي حاضر فحرر (حجة) تضمنت هذه القرارات وقع عليها الوالي، و ختم عليها إبراهيم بك و أرسلها إلى مراد بك فختم عليها أيضا و انحلت الأزمة. و رجع العلماء يحيط بكل منهم موكب من الأهالي و هم ينادون: حسب مارسمه سادتنا العلماء بأن جميع المظالم و الحوادث و المكوس بطالة من مملكة الديار المصرية.
و لو تأملنا في هذا النص الذي ساقه مؤرخ مصر الجبرتي و دققنا النظر في قوله «حسب ما رسمه سادتنا العلماء» لوجدنا أن هذه العبارة الظاهرة تحمل مبدأ دستوريا هائلا: و هو أن الأمة مصدر السلطات.
و قد توافق رأي أكثر المؤرخين الفرنجة على ان هذه الحجة بمثابة و ثيقة إعلان حقوق الانسان، سبقت بها مصر غيرها.
و قد طبق و كلاء الشعب و يمثلهم العلماء و الأعيان هذا المبدأ- مبدأ الأمة مصدر السلطات- على والي مصر خورشيد باشا، حين عجز عن ضبط الأمن في البلاد، إذ عقدوا مؤتمرا وطنيا يوم ١٣ صفر عام ١٢٢٠ ه، و قرروا عزل الوالي. و لما رفض الاذعان لهذا القرار قام العلماء و الأعيان و الشعب بتنفيذ قرار الأمة بالقوة و دارت رحا الحرب بينهم