الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٣ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
بعض الأوقات، و كان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك، فكان يسعى إلي في بعضهم، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلا إلى الاجتهاد، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بهم القواعد. و كلمته في ذلك ذات يوم و قلت له: توشك ألا تجد شيئا من مرتبك آخر الشهر، فضحك ضحكة حلوة، و قدم إلي سيجارة من نوع جديد، كما كان يقول، ثم ألقى بهذه الكلمة التي لم أنسها قط، و التي ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون:
و ماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب؟ أتريد أن نتركهم يصدون عن العلم و نحن نرى؟
كان وفيا و كان أبيا و كان برا و كان سمح الطبع و النفس و القلب. لم أره قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت. و كان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم و في فنه اذا كتب.
و اقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب: ما كتبه منها أيام شبابه الأول، و ما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن، ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة، و ما كتبه منها حين كانت الأيام شدادا ثاقلا.
لم يكن شيء قادرا على ان يغير من خصاله تلك شيئا. كان سمحا في جميع أطواره و في أطوار من حوله من الناس و ما يحيط به من الظروف. كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه، و الحديث العذب ألزم شيء له. و كان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب، و هي خصلة العناية الدقيقة جدا بالتفكير أولا و بالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه.
كان لا يكره شيئا كما كان يكره العجلة في القول و العمل و المشي أيضا.
كان شديد الإيثار للإناة. و كان ذلك ربما عرضه لدعابات الصديق و الزملاء، فما أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات، و يحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى، فكان يأتي دائما متأخرا جدا و كان زملاؤه لا يحبون