الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٨٩ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلماء، و كنت في أول عهدي بالدرس، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة، و كان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام، و يزورونه- إذا أقبل الليل- في داره بعابدين. فإذا عادوا تحدثوا عنه و عن إخوته، و عمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة، يملأون أفواههم بهذه الأحاديث، و يشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب.
و كان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء، و حسن التحصيل، و البراعة في مجادلة الشيوخ. و أكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم، و يمتازون فيه، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده و عن أستاذه الإمام، فكلاهما كان يرى حب العلم نادرا في مصر، و يبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر و غيرهم من الشباب. و قد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها، و قد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين و بين المختلفين إلى مدرسة القضاء و بين الجامعيين آخر الأمر، على اختلاف بيئاتهم و طبقاتهم.
و كان لا يعرف محبا لطلب العلم مخلصا في هذا الحب إلا سعى إليه و اتصل به و قربه منه و فتح له قلبه و عقله و داره أيضا. و مهما أنس فلن أنسى تلك الجماعة التي ألفها من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر، و نظم لها اجتماعا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع.
و كانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضا بخان الخليلي، و يلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه، و إلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قرونا طوالا.