الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٨٤ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
عهد، و لا زال عنه من خلق الرجال ما يزول عن المسترجلين و المتعاظمين، إذا دالت الدولة و نبا الزمان و تقطعت بهم الأسباب، فهو راض و إن سخط غيره، و هو سمح و إن تعسر الزمان.
كان مصطفى عبد الرازق مثقفا، و لكن أية ثقافة هي؟ هي الثقافة الإسلامية التي أفنى العمر في تصويرها و الدعوة إليها، و حمل الأمة عليها جمال الدين الأفغاني و محمد عبده و عبد الرحمن الكواكبي و محمد مصطفى المراغي و غيرهم من قادة النهضة و أئمة الإسلام في عصرنا القريب. كان هو المثال الذي تمثلت فيه هذه الثقافة الحية الناهضة الجامعة بين خير ما في الشرق و خير ما في الغرب من تراث الإسلام الطاهر، و ثمرة العقول الناضجة، و بهذا نعلم مقدار خسارتنا و خسارة الأزهر و الإسلام بفقد هذا الرجل. كان مصطفى عبد الرازق مؤمنا، و إيمانه هو الذي كون له هذه النفس القوية العظيمة، فإن الثقافة وحدها لا تصنع النفوس، فنحن نرى بعض المثقفين يتخذون من ثقافتهم طريقا لمجرد كسب العيش، و هي في البعض الآخر طريق إلى الشرور و المآثم و الفتن، تشقى و لا تسعد، و تدمر و لا تعمر، و تهلك الحرث و النسل، و يبغى بها الناس بعضهم على بعض، و يسعون بها في الأرض فسادا، فما أبعد الفرق بين هذه الثقافة و بين كرائم الإيمان!. تلك مادية صرف، و ليس من هذا فقط كان فسادها فقد تنفع المادة و تصلح، و لكن فسادها كان من أن الشيطان تولى زمامها فصرفها عن غايتها المثلى و أركسها في الشهوات و الأهواء. أما مواهب الايمان فهي نفحات قدسية تملأ القلب هداية و نورا، و سكينة و ثباتا، و أمنا و سلاما، و محبة و رضا، و أملا في اللّه و مراقبة له، و عملا لوجه ربك ذي الجلال و الإكرام. و هذه هي السعادة التي جاء بها المرسلون و جاهد في سبيلها المصلحون، و سعد بها المؤمنون، فإذا هيء لنفس طيبة نبيلة أن تجمع بين هبة الدين الحق و العلم الصحيح، فقد أشرقت بنور على نور، و نور الإيمان باللّه يملأ القلب، و نور العلم يهتدي به العقل في الوصول إلى الحق. و كذلك كان فضل اللّه و نعمته على فقيدنا الكريم عليه رحمة اللّه: