الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٨١ - الشيخ مصطفى عبد الرازق
الأزهر، و هو أصح ما يكون جسما و عقلا، فكان لهذه الفجاءة أثر في النفوس لم نشهد مثله لأحد قبله، لأن الناس كانوا أحوج ما يكونون إلى مثله في هذا العهد من الانتقال، و في هذا الدور من الاعتراك بين القديم و الحديث، و كان الأستاذ بشخصيته الممتازة، و سعة أفقه الثقافي خير من يدرك آثار هذا العهد في حياة الأمم، و أصلح من يوكل إليه أمر التوفيق بينهما لمصلحة الدين و الدنيا معا. فلا غرو إن ساور الهلع كل نفس تنتظر عهد الاستقرار و الهدوء و التقدم. لم أر فيمن قابلت من القادة و الأعلين أكرم خلقا في غير استكانة، و لا أهدأ نفسا في غير وهن، و لا أكثر بشاشة في غير رخوة، من الشيخ مصطفى عبد الرازق، و كل ذلك إلى حزم لا يعتوره لوث، و احتياط لا يشوبه تنطع، و أناة لا يفسدها فتور، و إدمان على العمل ينسى معه نفسه، و هي صفات كبار القادة. و علية المصلحين، ممن خلقوا لمعالجة الشؤون المعقدة، و حسم المنازعات الشائكة، و التوفيق بين المطالب المتنافرة، و هذه مواقف كما تقتضي مضاء العزيمة، تحتاج إلى هوادة الأناة، و كما تستدعي سرعة البت، لا بد لها من القدرة على إزالة الحوائل، و قديما قالوا: رب عجلة أورثت ريثا، و رب إقدام جر إلى نكوص، فكان بما حباه به بارئه من هذه المواهب النادرة، كفاء المهمة التي وفق المسؤولون في إسنادها إليه، و كنت لا أشك في أنه بما جبل عليه من حب الإصلاح، و ما اتصف به من الصفات التي سردناها آنفا، سيصل إلى حل مشكلة الأزهر حلا حاسما، يعيش تحت نظامه آمنا شر العوادي، و في منجاة من عوامل القلق و الاضطراب. ذلك أنه بما تضلع من إلمام بنظم الجامعات، و ما حصل من علم بمقوماتها و حاجاتها؛ لتمضيته في صميمها سنين طوالا من حياته طالبا و مدرسا، يعرف من أسرار حياتها و بقائها و بواعث عللها و أعراضها، ما لا يعلمه إلا الأقلون، و الأزهر لا يخرج عن جامعة قديمة في دور انتقال، تتفاعل لتتناسب و العهد الذي تعيش فيه، فهي في حاجة إلى أن تحصل على المقومات التي تؤاتيها بهذا التناسب، و هو لا ينحصر في زيادة ميزانيتها، و لا في تهذيب برامج