الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧١ - الشيخ محمّد مصطفى المراغي
التعليم فيه و عن شعوره يجب أن تحتذي و يهتدي بها. و منذ أربعين سنة اشتد الجدل حول جواز تعليم الحساب و الهندسة و التاريخ في الأزهر و حول فائدة تعليمها لعلماء الدين و منذ أربعين سنة قرأ لنا أحد شيوخنا كتاب الهداية في الفلسفة في داره على شرط أن نكتم الأمر لئلا يتهمه الناس و يتهمونا بالزيغ و الزندقة .. و الآن تدرس في كلية أصول الدين الفلسفة القديمة و الحديثة، و تدرس الملل و النحل، و تقارن الديانات، و تعلم لغات أجنبية شرقية و غربية. و من الحق علينا ألا ننسى في هذه المناسبة و الحديث حديث الأزهر و الأزهريين ذلك الكوكب الذي انبثق منه النور الذي نهتدي به في حياة الأزهر العامة، و يهتدى به علماء الأقطار الاسلامية في فهم روح الإسلام و تعاليمه، ذلك الرجل الذي نشر الحياة العلمية و النشاط الفكري و وضع المنهج الواضح لتفسير القرآن الكريم و عبد الطريق لتذوق سر العربية و جمالها و صاح بالناس يذكرهم بأن العظمة و المجد لا يبنيان إلا على العلم و التقوى و مكارم الأخلاق، ذلك الرجل الذي لم تعرفه مصر إلا بعد أن فقدته و لم تقدره قدره الا بعد أن أمعن في التاريخ، ذلك هو الأستاذ الإمام محمد عبده (قدس اللّه روحه و طيب ثراه)، و قد مر على وفاته ثلاثون حولا كاملة، و من الوفاء بعد مضي هذه السنين و نحن نتحدث عن الأزهر أن نجعل لذكراه المكان الأول في هذا الحفل، فهو مشرق النور و باعث الحياة، و عين الماء الصافية التي نلجأ إليها إذا اشتد الظمأ، و الدوحة المباركة التي نأوي إلى ظلها إذا قوى لفح الهجير.
و الأزهر كما تعلمون هو البيئة التي يدرس فيها الدين الإسلامي الذي أوجد أمما من العدم، و خلق تحت لوائه مدنية فاضلة، و كان له هذا الأثر الضخم في الأرض فهو يوحي بطبعه إلى شيوخه و أبنائه واجبات إنسانية، و يشعرهم بفروض صورية و معنوية، يعدون مقصرين آثمين أمام اللّه و أمام الناس إذا هم تهاونوا في أدائها و أنهم لا يستطيعون أداء الوجب لربهم و دينهم و لمعهدهم و أنفسهم إلا إذا فهموا هذا الدين حق فهمه، و أجادوا معرفة لغته، و فهموا روح الاجتماع، و استعانوا بمعارف القدامى و معارف