الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢١٧ - نظرة إلى المستقبل
من أرستقراطية رجال الدين، التي تمتاز ببسطة في الرزق و الجاه، و تحول طلابه إلى ميدان الصراع المادي في سبيل العيش، و السعي وراء الوظائف و منازعة أضرابهم من المعاهد الأخرى في الفوز بها. و قد أحدثت هذه الأرستقراطية الاجتماعية، و هذه النزعة في الإقبال على الدنيا، أثرا لا يحمد في جو الأزهر العلمي، و ذهبت بكثير من خواصه الروحية القديمة.
و من جهة أخرى فإن الأزهر الحديث على الرغم من اتسامه بسمة الجامعات العصرية، لا يزال بعيدا عن أن يجاري روح العصر فعلا في تنظيم مناهجه و أساليبه العلمية. فهو لا يزال يعيش على تراث الأزهر القديم، و لا يزال مرجع الدراسة بالكليات الأزهرية الحديثة في علوم الدين و اللغة طائفة من الكتب القديمة التي يعرفها الأزهر منذ العصور الوسطى، فالشاطبية، و الهداية، و السنوسية، و الصبان، و ألفية بن مالك، و شرحها لابن عقيل، و مختصر السعد و حواشيه، و كتب ابن حجر، و البلقيني، و السيوطي، و البرماوي، و الزماوي، و الزيلعي، و غيرها، تدرس في الكليات للطلبة النظاميين، و بعض هذه الكتب يرجع إلى القرن السادس الهجري كالشاطبية، أو السابع مثل مختصر ابن الحاجب، و ألفية ابن مالك، أو الثامن كشرح ابن عقيل و مختصر السعد، و مع أن هذه المصنفات القديمة لا تزال تحتفظ بقيمتها العلمية، فهي لا تصلح سواء بمادتها أو طرائقها العتيقة لعقلية الطالب الحديث. و لم يزود طلبة الجامعة الأزهرية حتى اليوم من الكتب و المذكرات الدراسية الحديثة إلا بقدر ضئيل جدا في بعض المواد المستحدثة: مثل التاريخ الإسلامي، و السيرة النبوية، و تاريخ التشريع، و تفسير بعض آيات الأحكام، و كذا بعض كتب البلاغة و الأدب و النحو و الصرف، و سيمضي وقت طويل قبل أن يستطيع المشرفون على الدراسة بالجامعة الأزهرية أن يضعوا من الشروح و التآليف المنظمة الحديثة ما يسد حاجة الطلاب.
و قد فقد الأزهر كثيرا من مزايا الدراسة الحقة بإلغاء الحلقات الدراسية الشهيرة، التي لبئت قرونا تزين أروقته و ساحاته، فقضى عليها