الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١١٦ - الحركة العلمية في الأزهر
مباشرة بتجريد مصر الإسلامية من ذخائرها النفيسة في الآثار و الكتب، و حمل كل ذلك الى القسطنطينية، و قد قبض الغزاة على العلماء الأعلام و الزعماء و قادة الفكر و بعثوا بهم جميعا إلى تركيا، و هكذا انهار صرح الحركة الفكرية الإسلامية، و تضاءل شأن العلوم و الفنون، و انحط معيار الثقافة، بعد أن كانت مصر موثل الثقافة و محط العلماء بعد سقوط بغداد على أيدي المغول، و انقضاء البقية الباقية من سلطان المسلمين في الأندلس. بعد أن وجد العلماء من المماليك ما أملوا، و وجد الإسلام فيهم حماة يقفون له كما وقف الأيوبيون من قبل، و كان ردهم للمغول في موقعة عين جالوت على يد قطز حدثا تاريخيا حفظ الحضارة الإسلامية من معاول التتر، و رفع شأن مصر، و جعلها مهبط الثقافة الإسلامية، و الأمينة على تراث الإسلام منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.
و قد كان الفضل في ذلك للأزهر. فقد اتسع صدره للواردين من العلماء و الطلاب في كافة البلاد، و مكن لهم من الدراسة الهادئة و البحث المنظم مما أفاد الحضارة الإنسانية بأجزل الفوائد، بما أخرجوا من فرائد الكتب في الفقه و الحديث و التفسير و اللغة.
و إذا كان الأزهر قد انطوى على نفسه في العصر التركي و ذوت آثاره العلمية، فقد استطاع بما له من نفوذ في نفوس العامة و الخاصة أن يحمل العناصر الاستعمارية على احترام مكانته و على اللجوء إليه في الملمات، و كان يتوسط فيما ينشب بينهم و بين المصريين من خلاف، و استطاع الأزهر في هذه الحقبة المظلمة من تاريخه أن يحفظ اللغة العربية، و أن يقاوم لغة الفاتحين، و أن يبقى بابه مفتوحا لطلاب العلوم الإسلامية و اللغة العربية مدى ثلاثة قرون، حتى انزاح عن صدره الكابوس التركي، و بدأ النور يبزغ من جديد في أوائل القرن التاسع عشر يحمل في طياته الأمل .. و قد تميز العصر التركي في مصر بفتور الهمم عن التأليف و التدوين، و انصراف المؤرخين عن تناول الشؤون العامة و الأمور النافعة إلى ملق الحكام و الأكابر، و تدوين سيرهم الشخصية. و أما العلماء فقد استكانوا إلى الراحة