الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٤٩ - نموذج من الدليل الفلسفي على إثبات الصانع
وعلى هذا الأساس حصرت المادية الميكانيكية التطوّر والحركة بحركةالأجسام والجسيمات في الفضاء من مكان إلى مكان ، وفسّرت أشكال المادة المختلفة بأ نّها طرق شتى لتجمّع تلك الجسيمات وتوزّعها ، دون أن يحدث من خلال تطوّر المادة شيء جديد ، فالمادة لا تنمو في وجودها ، ولا تترقّى في تطوّرها ، وإنّما تتجمّع وتتوزّع بطرق مختلفة كالعجينة في يدك حين تشكّلها بأشكال مختلفة ، وتظلّ دائماً هي العجينة نفسها دون جديد .
وهذه الفرضية أوحى بها تطوّر علم الميكانيك ، الذي كان أوّل العلوم الطبيعية تحرّراً وانطلاقاً في أساليب البحث العلمي ، وشجّع عليها ما أحرزه هذا العلم من نجاح في اكتشاف قوانين الحركة الميكانيكية وتفسير الحركات المألوفة للأجسام الاعتيادية على أساسها ، بما فيها حركات الكواكب في الفضاء .
ولكنّ استمرار تطوّر العلم وامتداد أساليب البحث العلمي إلى مجالات متنوّعة اُخرى أثبت بطلان تلك الفرضية وعجزها من ناحية عن تفسير كلّ الحركات المكانية تفسيراً ميكانيكياً ، وقصورها من ناحية اُخرى عن استيعاب كلّ أشكال المادة ضمن الحركة الميكانيكية للأجسام والجسيمات من مكان إلى مكان ، وأكّد العلم ما أدركه الإنسان بفطرته من أنّ تنوّع أشكال المادة لا يعود إلى مجرّد نقلة مكانية من مكان إلى مكان ، بل إلى ألوان من التطوّر النوعي والكيفي ، وثبت من خلال التجارب العلمية أنّ أيّ تركيب عددي للجسيمات لا يمثّل حياةً أو إحساساً أو فكراً ، وهذا يجعلنا أمام تصوّر يختلف كلّ الاختلاف عن التصوّر الذي تقدّمه المادية الميكانيكية ، إذ نواجه في الحياة والإحساس والفكر عملية نموّ حقيقية في المادة وتطوّر نوعي في درجات وجودها ، سواء كان محتوى هذا التطوّر النوعي شيئاً مادياً من درجة أعلى ، أو شيئاً لا مادياً .
هذه هي القضايا الثلاث :
١ ـ كلّ حادثة لها سبب .