الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٤٨ - نموذج من الدليل الفلسفي على إثبات الصانع
يمثّل شكلا من أشكال الوجود للمادة ، ونطفة الحياة التي تساهم في تكوينالنبات والحيوان ( البروتوبلازم ) تمثّل شكلا أرفع لوجود المادة ، و ( الأميبا ) التي تعتبر حيواناً مجهرياً ذا خلية واحدة تمثّل شكلا من وجود المادة أكثر تطوّراً ، والإنسان هذا الكائن الحي الحسّاس المفكّر يعتبر الشكل الأعلى من أشكال الوجود في هذا الكون .
وحول هذه الأشكال المختلفة من الوجود يبرز السؤال التالي : هل الفارق بين هذه الأشكال مجرّد فارق كمّي في عدد الجزيئات والعناصر وفي العلاقات الميكانيكية بينها ، أو هو فارق نوعي وكيفي يعبّر عن درجات متفاوتة من الوجود ومراحل من التطوّر والتكامل ؟
وبكلمة اُخرى : هل الفارق بين التراب والإنسان الذي تكوّن منه عدديٌّ فقط ، أو هو الفارق بين درجتين من الوجود ومرحلتين من التطوّر والتكامل ، كالفارق بين الضوء الضعيف والضوء الشديد ؟
وقد آمن الإنسان بفطرته منذ طرح على نفسه هذا السؤال بأنّ هذه الأشكال درجات من الوجود ، ومراحل من التكامل ، فالحياة درجة أعلى من الوجود للمادة ، وهذه الدرجة نفسها ليست حدّية ، وإنّما هي أيضاً درجات ، وكلّما اكتسبت الحياة مضموناً جديداً عبّرت عن درجة أكبر ، ومن هنا كانت حياة الكائن الحسّاس المفكّر أغنى وأكبر درجةً من حياة النبات ، وهكذا .
غير أنّ الفكر المادي قبل أكثر من قرن من الزمن خالف في ذلك ، إيماناً منه بوجهة النظر الميكانيكية في تفسير الكون القائلة بأنّ العالم الخارجي يتكوّن من جسيمات صغيرة متماثلة تؤثّر عليها قوى بسيطة متشابهة جاذبة وطاردة ضمن قوانين عامّة ، أي إنّ عملها يقتصر على التأثير بتحريك بعضها للبعض من مكان إلى مكان ، وبهذا الجذب والطرد تتجمّع أجزاء وتتفرّق أجزاء وتتنوّع أشكال المادة .