الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٧٩٧ - تمهيد
العملي بتنظيف بدنه وصيانته من الإفراط في الطعام والشراب فإنّ هذه الأهداف تحقّقها للإنسان الحديث اليوم طبيعة حياته المدنية واُسلوب معيشته اجتماعياً . فلم تعدْ تلك العبادات حاجةً ضروريةً كما كانت في يوم من الأيام ، ولم يبقَ لها دور في بناء حضارة الإنسان أو حلّ مشاكله الحضارية .
ولكنّ هذه النظرة على خطأ ، فإنّ التطوّر الاجتماعي في الوسائل والأدوات ، وتحوّل المحراث في يد الإنسان إلى آلة يحرّكها البخار أو يديرها الكهرباء إنّما يفرض التغيّر في علاقة الإنسان بالطبيعة وما تتّخذه من أشكال مادية ، فكلّ ما يمثّل علاقةً بين الإنسان والطبيعة ، كالزراعة التي تمثّل علاقةً بين الأرض والمزارع تتطّور شكلا ومضموناً من الناحية المادية تبعاً لذلك .
وأمّا العبادات فهي ليست علاقةً بين الإنسان والطبيعة ، لتتأ ثّر بعوامل هذا التطوّر ، وإنّما هي علاقة بين الإنسان وربّه ، ولهذه العلاقة دور روحي في توجيه علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ، وفي كلا هذين الجانبين نجد أنّ الإنسانية على مسار التأريخ تعيش عدداً من الحاجات الثابتة التي يواجهها إنسان عصر الزيت وإنسان عصر الكهرباءعلى السواء .
ونظام العبادات في الإسلام علاج ثابت لحاجات ثابتة من هذا النوع ولمشاكل ليست ذات طبيعة مرحلية ، بل تواجه الإنسان في بنائه الفرديّ والاجتماعي والحضاريّ باستمرار . ولا يزال هذا العلاج الذي تعبّر عنه العبادات حيّاً في أهدافه حتى اليوم ، وشرطاً أساسياً في تغلّب الإنسان على مشاكله ونجاحه في ممارساته الحضارية .
ولكي نعرف ذلك بوضوح يجب أن نشير إلى بعض الخطوط الثابتة من الحاجات والمشاكل في حياة الإنسان ، والدور الذي تمارسه العبادات في إشباع تلك الحاجات والتغلّب على هذه المشاكل .