الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٧٩٩ - الارتباط بالمطلق مشكلة ذات حدّين
استطعنا أن نحصل ـ من خلال كثير من تلك الصيغ اليومية المتنوّعة ـ على مشكلة رئيسية ثابتة ذاتِ حدّين أو قطبين متقابلين يعاني الإنسان منهما في تحرّكه الحضاريّ على مرّ التأريخ ، وهي من زاوية تعبّر عن مشكلة الضياع واللا انتماء ، وهذا يمثل الجانب السلبي من المشكلة . ومن زاوية اُخرى تعبّر عن مشكلة الغلوّ في الانتماء والانتساب ; بتحويل الحقائق النسبية التي ينتمي إليها إلى مطلق ، وهذا يمثّل الجانب الإيجابي من المشكلة .
وقد أطلقت الشريعة الخاتمة على المشكلة الاُولى اسم « الإلحاد » باعتباره المثل الواضح لها ، وعلى المشكلة الثانية اسم « الوثنية والشرك » باعتباره المثل الواضح لها أيضاً . ونضال الإسلام المستمرّ ضدّ الإلحاد والشرك هو في حقيقته الحضارية نضال ضدّ المشكلتين بكامل بعديهما التأريخيّين .
وتلتقي المشكلتان في نقطة واحدة أساسية ، وهي : إعاقة حركة الإنسان في تطوّره عن الاستمرار الخلاّق المبدع الصالح ، لأنّ مشكلة الضياع تعني بالنسبة إلى الإنسان أ نّه صيرورة مستمرّة تائهة لا تنتمي إلى مطلق يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقّة الطويلة المدى ، ويستمدّ من إطلاقه وشموله العون والمدّ والرؤية الواضحة للهدف ، ويربط من خلال ذلك المطلق حركته بالكون ، بالوجود كلّه ، بالأزل والأبد ، ويحدّد موقعه منه ، وعلاقته بالإطار الكوني الشامل .
فالتحرّك الضائع بدون مطلق تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح ، تنفعل بالعوامل من حولها ولا تؤثّر فيها . وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التاريخ إلاّ وهو مرتبط بالاستناد إلى مطلق والالتحام معه في سير هادف .
غير أنّ هذا الارتباط نفسه يواجه من ناحية اُخرى الجانب الآخر من المشكلة ، أي مشكلة الغلوّ في الانتماء بتحويل النسبي إلى مطلق ، وهي مشكلة