الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩٩
و إنما لم يقفوا عليها لأن نظرهم كان جزئيا و بحثهم عن علل الأشياء مخصوصا- و يمتنع أن يعلم أسباب الأشياء الكلية بالأنظار الجزئية لأن أفعال الباري تعالى إنما الغرض منها هو النفع الكلي و الصلاح على العموم و إن كان يعرض من ذلك ضرر جزئي- و مكاره مخصوصة أحيانا و المثال أحكامه في الشريعة الحقة و حدوده فيها و ذلك أنه حكم بالقصاص في القتل و قال وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ و إن كان موتا و ألما لمن يقتص منه و كذلك قطع يد السارق فيه نفع عمومي و صلاح كلي و إن كان ألما للسارق و ضررا له.
و هكذا خلق الله الشمس و القمر و الأمطار لأجل النفع و المصلحة العامة و إن كان قد يعرض لبعض الناس و الحيوان و النبات من ذلك ضرر و كذلك أيضا قد ينال لاتباع الأنبياء و الأئمة ع شدائد و آلام في إظهار الدين و إقامة سنن الشريعة في أوائل الأمر لكن لما كان حكمة الباري و غرضه في إظهار الدين و إعلان قواعد الشريعة هو النفع العام و المصلحة الكلية للذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة و لا يحصى عددهم و عدد ما يلحق بهم من السعادات و الخيرات سهل في جنب ذلك ما نال النبي و أئمته و أولاده المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين من أذية المشركين و جهاد الأعداء المخالفين- و ما لاقوا من الحروب و العداوات و تعب الأسفار ثم ما نال المؤمن من قيام الليل و صيام النهار و أداء الفرائض و ما فيها من الجهد على النفوس و التعب على الأبدان نزر قليل في جنب ما أعد الله لهم من نعيم الجنان و الحور العين و رضوان الله الأكبر و لما كان الأمر يئول إلى الصلاح الكلي كانت تلك الشدائد من جهته صغيرا جزئيا.
فعلى هذا المثال نقول في وجه الحكمة في أكل بعض الحيوانات بعضا إن قصد الباري جل ثناؤه و غرضه في ألم الحيوانات و ما جبل عليه طباعها من الأوجاع و الآلام التي يلحق نفوسها عند الآفات العارضة ليس عقوبة لها و عذابا كما ظن أهل التناسخ بل حثا لنفوسها [١] على حفظ أجسادها و صيانة لهياكلها من الآفات العارضة
[١] و أما عدم تحقق هذا الحث و عدم ثمرته في الجزئي الذي يفسد جسده بعد هذه الأوجاع مع عدم بلوغه النشو و الكمال فلا يعبأ به العناية لأن الفرض النفع الكلي كما علمت، س قده