الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٥٠
لا يتم حتى يصير يقينا دائما لا يزول إلا ببرهان عقلي [١] فكل وجود ناقص لا يصير كاملا إلا بما هو أقوى منه و هو علته و مديم ذاته و محقق هويته فالهيولى لا يتم إلا بصورتها- و الصورة لا تتم إلا بمصورها و الحس لا يتم إلا بالنفس و النفس لا تتم إلا بالعقل و العقل لا يبقى إلا بواجب الوجود فإذن كل ناقص يتنفر عن نقصه و ينزع منه إلى كماله و يتمسك به عند نيله فيكون كل شيء لا محالة عاشقا لكماله مشتاقا إليه عند فقده فالعشق حاصل للشيء دائما سواء في حال وجود كماله أو في حال فقد ذلك الكمال.
و أما الاشتياق و الميل فإنما يحصلان للشيء حال فقدان الكمال و لذلك كان العشق ساريا في جميع الموجودات و الشوق غير سار في الجميع بل يختص بما يتصور في حقه الفقد و نحن قد بينا مرارا أن الحياة سارية في جميع الموجودات لسريان الوجود فيها لأنا بينا أن الوجود حقيقة واحدة هي عين العلم و القدرة و الحياة و كما لا يتصور موجود بدون طبيعة الوجود مطلقا فكذا لا يتصور موجود لا يكون له علم و فعل- و كل ما يعلم و يفعل بأي وجه كانا فله حياة فالكل إذن حي عند العرفا إلا أن الجمهور إذا أطلق الحيوان فهموا منه ما له حس ظاهرة و حركة إرادية من مكان إلى مكان.
فإذا ثبت أن كل موجود سواء كان بسيطا أو مركبا فله حياة و شعور فلا محالة له عشق و شوق فإذا نظرت في الموجودات و درجاتها في الوجود و تأملتها وجدتها إما كاملة من كل وجه في نفس الأمر أو ناقصة بوجه من الوجوه و الكامل من كل وجه إما أن يكون كماله بنفسه مع قطع النظر عما هو وراءه حتى يكون نفسه و كماله شيئا واحدا من غير تغاير لا في الذات و لا في الاعتبار أو يكون كماله بما وراءه.
فالأول هو الواجب الوجود و الثاني هو الذوات العقلية فهذا النمط من الموجود الكامل بقسميه غير منفك عن العشق و العشق عين ذاته أما الواجب فهو عاشق لذاته فحسب
[١] لعله من سهو القلم فإن اليقين هو العلم المركب من العلم بضرورة الجانب الموافق- و امتناع الجانب المخالف علما كليا دائميا و ما كان كذلك فإنه لا يزول بمزيل نعم ربما يزول ما له صورة اليقين ببرهان يبطله فيكشف ذلك عن كونه جهلا شبيها باليقين، ط مد