الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٩
عبارة عن حضور ذواتها العاقلة و المعقولة بأنفسها و حضور لوازمها الوجودية بنفس حضور ذواتها الثابتة لذواتها من غير جعل و تأثير مستأنف و تحصيل ثان حسبما قررناه كعلمنا بذاتنا و لوازم ذاتنا غير المنسلخة عنا بحسب وجودنا العيني و هويتنا الإدراكية التي هي عين الحياة و الشعور.
و أما حل الإشكال و حق المقال فيه على وجه تطمئن به القلب و تسكن إليه النفس- فهو يستدعي تمهيد مقدمة هي أن كل ملكة راسخة في النفس الإنسانية سواء كانت من باب الكمالات أو الملكات العلمية أو من باب الملكات أو الكمالات العملية كملكة الصناعات التي تحصل بتمرن الأعمال و تكرر الأفعال كالكتابة و التجارة و الحراثة و غيرها فهي إنما تحصل بارتباط خاص من النفس بالعقل الفعال لأجل جهة فعلية من الجهات الموجودة فيه لأن الأنواع المختلفة لا يكفي في تكثرها و وجودها تكثر القوابل أو تكثر جهاتها القابلية- بل يحتاج إما إلى مباد متعددة عقلية كما رآه الأفلاطونيون من أن علل الأنواع المتكثرة- في هذا العالم عقول متكثرة هي أربابها و إما إلى جهات متعددة فاعلية في العقل الأخير- كما هو رأي المشائين.
و بالجملة فجميع الكمالات الوجودية في هذا العالم مبدأها و منشأها من حيث كونها أمرا وجوديا من ذلك العالم سواء سميت خيرات أو شرورا إذ الشرور الوجودية شريتها راجعة إلى استلزامها لعدم شيء آخر أو زوال حالة وجودية له و هي في حد نفسها و من جهة وجودها تكون معدودة من الخيرات كالزنا و السرقة و نظائرهما و منها الجهل المركب و الكذب فكل منهما في نفسه أمر وجودي و صفة نفسانية يعد من الكمالات لمطلق النفوس بما هي حيوانية و إنما يعد شرا بالإضافة إلى النفس الناطقة لمضادتها لليقين العلمي الدائم و لملكة الصدق فإن الأول خير حقيقي و الثاني نافع في تحصيل الحق.
فإذا تمهدت هذه المقدمة
تخته جمله عقائد باش
در همه صورتش مشاهد باش
شو هيولاى جمله معتقدات
تا بيابى ز شرك و جهل نجات
[١] فنقول لا يلزم أن يكون ما بإزاء كل ملكة نفسانية
[١] و بعبارة أخرى نجيب بأن كل قضية مطلقا هناك و كل رأي من هناك و كون القضية الكاذبة جهلا مركبا أو كاذبة إنما هو لأجل التقييد و التضييق مثلا من يقول في ماهية النفس- إنها جوهر لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد أو سريان النار في الفحم ففي قوله جهة حقية- من حيث إن هذا حكم الروح البخاري و هو ليس بمنفصل عن الروح الأمري و من يقول إنها طبع ففي قوله أيضا جهة حقية من حيث إن الطبع المجبول على طاعة الروح الأمري مرتبة منه- بل الطبع المجبول مرتبة من النفس لأنها جسمانية الحدوث روحانية البقاء و قس عليهما و الجهات الحقة كلها في العقل الفعال و الإدراك و السهو و النسيان فيها بالاتصال و الانفصال به و عنه و مع ذلك كونها كواذب و جهالات مركبة سائغ لما مر من التقييد و الحصر و من هنا ٢٨٠ قال صاحب سلسلة الذهب-
تخته جمله عقائد باش
در همه صورتش مشاهد باش
شو هيولاى جمله معتقدات
تا بيابى ز شرك و جهل نجات
و قد حررنا سابقا في أن إدراك الكليات بمشاهدة أرباب الأنواع عن بعد أن إدراك أصحاب الجهل للكليات التي في أذهانهم الجاهلة أيضا بمشاهدة هذه كما أن إدراك العدم الكلي مشاهدة حقيقة الوجود مشاهدة ضعيفة كما أن إدراك الوجود العام مشاهدتها شهودا، س قدس سره