الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩٦
و ما يحتاجون إليه في أيام حياتهم فمن أجل هذا خلقهم الله قرنا بعد قرن و أمة بعد أمة- لأن الأرض لا تسعهم و الهيولى لا تحملهم دفعة واحدة فقد تبين بما ذكرنا أن النقص من جهة الهيولى و قابليتها لا من الصانع فإن القصور في الفعل كما يكون من الفاعل لضعف قوته أو لقلة معرفته فقد يكون أيضا من عدم الأدوات و فتور الآلات التي لا بد وجودها للصانع في أحكام صنعه و إتقان فعله أو من عدم المكان أو الزمان و الحركات و ما شاكلهما و قد يكون من قبل الهيولى مثل عسر قبول الحديد للفتل و تصييره حبلا طويلا كما يفعل الحبال من القنب و الصوف و غيرهما فليس العجز من الحداد بل لقصور الحديد و عسر قبوله الفتل و مثل الهواء لا يقبل كتابة الكاتب فيه لسيلان عنصره و مثل النجار لا يمكن أن يعمل سلما يبلغ السماء لعدم الخشب لا لعجز فيه و مثل الرجل الحكيم لا يمكن أن يعلم الطفل لعجز في الطفل لا في الحكيم- و كذا عدم اهتداء بعض أشقياء الأمم بدعوة نبيهم إياهم و إنذاره لهم كما في قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ليس لقصور الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين و لا لعجزهم عن الهداية و الإنذار بل لعسر قبول الأنفس الخبيثة ما يقربها إلى الله و ملكوته الأعلى- فعلى هذا يؤخذ القياس في العجز من الهيولى و عسر قبولها للصور لا لعجز في الصانع الحكيم و المدبر العليم.
و السبب الآخر في ذلك أن هذا الكائنات لما كانت يبتدي كونها من أنقص الوجود- و أضعف القوة مترقيا شيئا فشيئا إلى أتم الحالات و أكمل الغايات بأسباب معينة لها على النشو و النمو و مبلغه بها إلى أكمل غاياتها بعناية من الباري جل شأنه سميت تلك الأسباب خيرات و كل سبب عارض يعوقها عن ذلك سمي شرا و هي عارضة لا بالقصد الأول فإنه و إن كان بالقياس إلى هذا الشيء الذي عاقه عن الوصول إلى كماله و غايته شرا لكنه بالقياس إلى شيء آخر يكون من الأسباب المعينة له على البلوغ إلى كماله و تمامه خيرا و لأجل هذا خلق الأول و بالذات لا لأجل ذاك فيكون خيريته بالذات و شريته بالعرض.